فمن حيث الحركة أمام الناظرين لا فَرْقَ بين عصا موسى وحبال السحرة وعِصِيهم ، فكلها تتحرك ، إنما تميزت عصا موسى بأنها تلقف ما يصنعون من السحر ، وتتتبع حبالهم وعِصيَّهم ، وتقفز هنا وهناك ، فلها إذن عَيْن تبصر ، ثم تلقف سحرهم في جوفها ، ومع ذلك تظل كما هي لا تنتفخ بطنها مثلاً ، وهذا هو موضع المعجزة في عصا موسى عليه السلام .
وقوله تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى} [طه: 66] إذن: فحركة العِصِيّ والحبال ليستْ حركة حقيقية ، إنما هي تخيُّل {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ} [طه: 66] فيراها تسعى ، وهي ليست كذلك .
وقد قال تعالى عن هؤلاء السحرة: {سحروا أَعْيُنَ الناس} [الأعراف: 116] فجاءوا بأعمال تخيُّلية خادعة بأيِّ وسيلة كانت ، فالبعض يقول مثلاً: إنهم وضعوا بها الزئبق ، فلما حَمِيَتْ عليه الشمس تمدّد ، فصارتْ الأشياء تتلوّى وتتحرك ، فأياً كانت وسائلهم فهي مجرد تخيُّلات ، أمَّا الساحر نفسه فيراها حِبَالاً على حقيقتها ، وهذا هو الفرق بين سِحْر السحرة ، ومعجزة عصا موسى .
والسحر يختلف عن الحِيَل التي تعتمد على خِفَّة الحركة والألاعيب والخُدَع ، فالسحر أقرب ما يكون إلى الحقيقة في نظر الرائي ، كما قال تعالى: {واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر} [البقرة: 102] .
إذن: هو فَنُّ يُتعلم ، يعطي التخييل بواسطة تسخير الجنِّ ، فهم الذين يقومون بكل هذه الحركات ، فهي إذن ليستْ حيلاً ولا خفة حركة ، إنما هي عملية لها أصول وقواعد تُدرَّس وتُتعَلَّم .