فإن كان الأول كان ذلك خطاباً مع المعدوم وهو عبث وإن كان الثاني فهو حال حدوثه قد وجد بالقدرة والإرادة فأي تأثير لقوله كن فيه ، ومن الناس من زعم أن المراد من قوله: {كُنَّ} هو الخليق والتكوين وذلك لأن القدرة على الشيء غير وتكوين الشيء غير فإن الله سبحانه قادر في الأزل وغير مكون في الأزل ، ولأنه الآن قادر على عوالم سوى هذا العالم وغير مكون لها ، والقادرية غير المكونية والتكوين ليس هو نفس المكون لأنا نقول المكون إنما حدث لأن الله تعالى كونه فأوجده ، فلو كان التكوين نفس المكون لكان قولنا المكون إنما وجد بتكوين الله تعالى نازلاً منزلة قولنا المكون إنما وجد بنفسه وذلك محال ، فثبت أن التكوين غير المكون فقوله: {كُنَّ} إشارة إلى الصفة المسماة بالتكوين ، وقال آخرون قوله: {كُنَّ} عبارة عن نفاذ قدرة الله تعالى ومشيئته في الممكنات.
فإن وقوعها بتلك القدرة والإرادة من غير امتناع واندفاع يجري مجرى العبد المطيع المسخر المنقاد لأوامر مولاه ، فعبر الله تعالى عن ذلك المعنى بهذه العبارة على سبيل الاستعارة.
{وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) }
اعلم أن قوله: {وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه}
فيه مسائل:
المسألة الأولى:
قرأ المدنيون وأبو عمرو بفتح أن ، ومعناه ولأنه ربي وربكم فاعبدوه ، وقرأ الكوفيون وأبو عبيدة بالكسر على الابتداء ، وفي حرف أبي {إِنَّ الله} بالكسر من غير واو أي بسبب ذلك فاعبدوه.
المسألة الثانية:
أنه لا يصح أن يقول الله: {وَإِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه} فلا بد وأن يكون قائل هذا غير الله تعالى ، وفيه قولان: الأول: التقدير فقل يا محمد إن الله ربي وربكم بعد إظهار البراهين الباهرة في أن عيسى هو عبد الله.