قالَتْ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ، وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا أي قالت لجبريل: كيف يكون لي غلام؟ وعلى أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، أو لم يقربني زوج، ولا يتصور مني الفجور، فلم أك يوما ما بغيا، أي زانية، تبغي الرجال بالأجر. وجوابها هذا لم يكن عن استبعاد لقدرة الله، وإنما عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا من رجل، والعادات عند أهل المعرفة معتبرة في الأمور، وإن حدث خلاف هذا في القدرة الإلهية، فإنها عرفت أنه
تعالى خلق أبا البشر من غير أب ولا أم، فهل سيكون هذا الولد مخلوقا بخلق الله ابتداء كآدم، أم عن طريق زوج تتزوجه في المستقبل؟
فأجابها بقوله:
قالَ: كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ، وَرَحْمَةً مِنَّا، وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا أي فقال لها الملك مجيبا لها عما سألت: إن الله قد قال: إنه سيوجد منك غلاما، وإن لم يكن لك زوج (بعل) ولا من طريق الفاحشة، فإنه على ما يشاء قادر، وليجعل خلقه برهانا للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوّع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى فقط، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى.
ويجعل هذا الغلام أيضا رحمة من الله لعباده، يبعثه نبيا من الأنبياء، يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، وكان هذا الأمر مقدرا قد قدره الله في سابق علمه، وجف به القلم، فلا يغير ولا يبدّل.
ونظير آخر الآية: كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ، إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران 3/ 47] ونظير القسم السابق له وهو: وَرَحْمَةً مِنَّا قوله سبحانه: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ: يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران 3/ 45 - 46] .