قالَ: كَذلِكِ أي الأمر هكذا من خلق غلام منك من غير أب، أو كذلك الأمر حكم ربّك، بمجيء الغلام منك، وإن لم يكن لك زوج. هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أي فإن الأمر على الله يسير سهل. وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ على قدرتنا، وهذا معطوف على جملة. هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ التي هي في معنى العلة. وَرَحْمَةً مِنَّا أي ورحمة لهم ببعثته نبيا يهتدون بإرشاده، لمن آمن به.
وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا أي وكان خلقه أمرا مقضيا به في الأزل وفي علم الله، فنفخ جبريل في جيب قميصها، فأحست بالحمل في بطنها مصورا، إذ دخلت النفخة في جوفها، وكانت مدة حملها سبعة أشهر، وقيل: ثمانية، أو تسعة، وقيل: ساعة، كما حملته نبذته، وسنها ثلاث عشرة سنة، وقيل:
عشر سنين، وقد حاضت حيضتين، والأولى أن يكون حملها في المدة المعتادة وهي تسعة أشهر، إذ لا دليل على تلك الأقوال.
فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا اعتزلت، وهو في بطنها، مكانا بعيدا من أهلها وراء الجبل.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولدا زكيا طاهرا مباركا، أردفه بذكر قصة مريم في إنجاب ولدها عيسى عليه السلام من غير أب، وبين القصتين تناسب وتشابه واضح
ظاهر، ولذا ذكرا معا في آل عمران وهنا وفي الأنبياء، لتقاربهما في المعنى، ليدل تعالى عباده على قدرته وعظمة سلطانه وأنه على ما يشاء قادر.
وعملا بمبدإ الانتقال في البيان والتعليم من الأسهل إلى الأصعب، بدأ تعالى بقصة يحيى عليه السلام لأن خلقه من أبوين كبيرين أقرب إلى العادة والتصديق من خلق الولد بلا أب، ثم ذكر قصة عيسى لأنها أغرب من تلك.
التفسير والبيان:
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا
أي واذكر يا محمد الرسول للناس في هذه السورة قصة مريم البتول بنت عمران من سلالة داود عليه السلام، وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل، حين تنحّت، واعتزلت من أهلها، وتباعدت عنهم إلى مكان شرقي بيت المقدس أو المسجد المقدس لتنقطع إلى العبادة.