فَذَهَبَتِ الْفَضِيلَةُ ، وَهَذِهِ الْأَفْكَارُ الْمَادِّيَّةُ ظَهَرَتْ فِي اللَّاتِينَ أَوَّلًا فَأَفْسَدَتِ الْأَخْلَاقَ ، وَأَضْعَفَتِ الْفَضِيلَةَ ، ثُمَّ سَرَتْ عَدْوَاهَا مِنْهُمْ إِلَى الْإِنْكِلِيزِ ، فَهُمُ الْآنَ يَرْجِعُونَ الْقَهْقَرِيَّ بِذَلِكَ ، وَسَتَرَى هَذِهِ الْأُمَمَ يَخْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَتَنْتَهِي إِلَى حَرْبٍ طَامَّةٍ لِيَتَبَيَّنَ أَيُّهَا الْأَقْوَى ، فَيَكُونُ سُلْطَانَ الْعَالَمِ .
قَالَ لَهُ الْإِمَامُ: إِنِّي آمِلٌ أَنْ يَحُولَ دُونَ ذَلِكَ هِمَمُ الْحُكَمَاءِ (مِثْلِكُمْ) وَاجْتِهَادِهِمْ فِي تَقْرِيرِ مَبَادِئِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَنَصْرِ الْفَضِيلَةِ .
قَالَ الْفَيْلَسُوفُ: وَأَمَّا أَنَا فَلَيْسَ عِنْدِي مِثْلُ هَذَا الْأَمَلِ ، فَإِنَّ هَذَا التَّيَّارَ الْمَادِّيَّ لَا بُدَّ أَنْ يَبْلُغَ مَدُّهُ غَايَةَ حَدِّهِ .
وَأَقُولُ: إِنَّنِي ذَاكَرْتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى سِيَاسِيًّا أُورُبِيًّا فِي جِنِيفَ مِنْ بِلَادِ سُوِيسْرَةَ ، فَرَأَيْتُهُ يَعْتَقِدُ اعْتِقَادَ سِبِنْسَرَ ، بَلْ أَخْبَرَنِي أَنَّ كَثِيرًا مِنْ عُقَلَاءِ أُورُبَّةَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ فَسَادَ الْأَخْلَاقِ بِالتَّرَفِ الَّذِي أَهْلَكَ الْأُمَمَ الْكُبْرَى كَالْيُونَانِ وَالرُّومَانِ وَالْفُرْسِ وَالْعَرَبِ قَدْ أَوْشَكَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَى أُورُبَّةَ ، وَسَتَهْلَكُ بِالْحَرْبِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ الْحَرْبَ الْأَخِيرَةَ ، وَمَا هِيَ بِبَعِيدَةٍ ، وَنَصَحَ لَنَا بِأَلَّا نُقَلِّدَ أُورُبَّةَ فِي مَدَنِيَّتِهَا الْمَادِّيَّةِ ، وَأَنْ نُحَافِظَ عَلَى آدَابِ دِينِنَا وَفَضَائِلِهِ ، وَأَنْ نَجْمَعَ كَلِمَتَنَا ، وَنَجْعَلَ الزَّعَامَةَ فِينَا لِأَهْلِ الرَّأْيِ وَالْفَضِيلَةِ مِنَّا ، وَنَتَرَبَّصُ الدَّوَائِرَ بِالْأُورُبِّيِّينَ الْمُعْتَدِينَ عَلَيْنَا .