وَأَمَّا الْإِفْرِنْجُ ، فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا عَلَى عِلْمٍ وَاسِعٍ بِسُنَنِ اللهِ فِي أَحْوَالِ الْبَشَرِ وَسَائِرِ أُمُورِ الْكَوْنِ ، قَدْ نَالُوا بِهِ مُلْكًا عَظِيمًا فِي الْأَرْضِ ، فَأَكْثَرُهُمْ يَجْهَلُ مَصْدَرَ هَذِهِ السُّنَنِ وَحِكَمَ اللهِ تَعَالَى فِيهَا ، وَلَا يَعْتَبِرُونَ حَقَّ الِاعْتِبَارِ بِمَا تَعَقَبَّ الشُّرُورَ وَالْمَعَاصِيَ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ، فَهُمْ كَأَقْوَامِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ الَّذِينَ لَمْ تُفِدْهُمُ النِّعِمُ شُكْرَ الرَّبِّ الْمُنْعِمِ ، وَلَمْ تُفِدْهُمُ النِّقَمُ تَقْوَى الرَّبِّ الْمُنْتَقِمِ ، فَقَدِ اسْتَعْمَلُوا نِعَمَهُ بِالْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَتَسْخِيِرِ قُوَى الْعَالَمِ لِاسْتِعْبَادِ الضُّعَفَاءِ ، وَالسَّرَفِ فِي فُجُورِ الْأَغْنِيَاءِ ، وَالتَّقَاتُلِ عَلَى السُّلْطَانِ وَالثَّرَاءِ ؛ وَلِذَلِكَ سَلَّطَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَصَدَقَ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (6: 65) كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِهَا (ص 408 وَمَا بَعْدَهَا ج 7 ط الْهَيْئَةِ) .