قال الفراء: ذُكِّرَت (قريب) لأنه ليس بقرابة في النَّسَب، قال: ورأيت العرب تؤنث القريبة في النسب لا يختلفون فيها، فإذا قالوا: دارك منّا قريب، أو فلانة منك قريب في القرب والبعد ذكَّروا وأنَّثوا، وذلك أن القريب في المعنى وإن كان مرفوعا فكأنه في تأويل: هي من مكان قريب. فجعل القريب خَلَفا من المكان؛ كما قال اللَّه تبارك وتعالى: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} وقال: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} ولو أَنَّث ذلك فبنى على بَعُدَتْ منك فهي بعيدة، وقَرُبت فهي قريبة كان صوابًا حسنًا، وقال عروة:
عشِيَّةَ لا عفراءُ مِنك قرِيبة ... فتدنو ولا عفراء مِنك بعِيد.
ومن قال بالرفع وذكَّر لم يجمع (قريب) ولم يثنّه، ومن قال: إنّ عفراء منك قريبة أو بعيدة ثنَّى وجمع.
الوجه الثالث: الصيغة: (فعيل) يستوي فيها المذكر والمؤنث.
ويستوي المذكر والمؤنث في فعول ومفعال ومفعيل وفعيل بمعنى مفعول ما جرى على الاسم، تقول: هذه المرأة قتيل بني فلان، ومررت بقتيلتهم، وقد يشبه به ما هو بمعنى فاعل قال اللَّه تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} ، وقالوا: ملحفة جديد.
وتذكير المؤنث كقوله:
إنارة العقل مكسوف بطوع هوى ... وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا
فإذا كان الاسم على وزن (فعيل) في معنى (مفعول) فهو في المؤنث والمذكر سواء وهو بمنزلة (فعول) .
الوجه الرابع: (قريب وبعيد) للمفرد والمثنى والجمع؛ المذكر والمؤنث.
{إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) } هذا موضع يكون في المؤنثة والثنتين والجميع منها بلفظ واحد ولا يُدْخلون فيها الهاء؛ لأنه ليس بصفة ولكنه ظرف لهن وموضع، والعرب تفعل ذلك في قريب وبعيد قال:
فإن تمس ابنة السّهمىّ منا ... بعيدا لا نكلّمها كلاما
وقال الشّنفرى:
تؤرقنى وقد أمست بعيدا ... وأصحابى بعيهم أو تباله
فإذا جعلوها صفة في معنى مقتربة قالوا: هي قريبة وهما قريبتان وهن قريبات.
-ويجوز أن يسوى في قريب وبعيد، وقليل وكثير، بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ونحوهما.