إن هذا يفسر لنا كيف انتشر الإسلام بوساطة جماعة من التجار الذين كانوا يذهبون إلى كثير من البلاد ، وتعاملوا مع الناس بأدب الإسلام ، وبوقار الإسلام ، وبورع الإسلام ، فصار سلوكهم الملتزم لافتا ، وعندما يسألهم القوم عن السر فِي سلوكهم الملتزم ، ويقول الإنسان منهم: أنا لم أجيء بذلك من عندي ولكن من اتباعي لدين الله الإسلام.
ومثال ذلك فِي السلوك الأسوة: المسلمون الأوائل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد كان صحابته رضوان الله عليهم يخافون عليه من خصومه ، فكانوا يتناوبون حراسته ، ومعنى تناوب الحراس أنهم أرادوا أن يكونوا المصد للأخطار يتداولون ذلك فيما بينهم. وأراد الحق سبحانه أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة خفية ، ونام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه مكان الرسول صلى الله عليه وسلم. لقد أراد علي - كرم الله وجهه - أن يكون هو المصد ، فإذا جاء خطر فإنه هو الذي يصده.
لا شك أنه كان يفعل ذلك لأنه واثق أن بقاء الرسول صلى الله عليه وسلم خير للإسلام حتى ولو افتداه بروحه. هذا هو التسامى العالي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان الواحد منهم يحب الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الأسوة بالرسول واتباع دين الله إنّما يعود ذلك عليه بالخير العميم. وعندما يموت واحد منهم فِي سبيل المحافظة على من أرسله الله رسولا ليبلغ دعوته فقد نال الشهادة فِي سبيل الله.
هذا هو أبو بكر الصديق رضوان الله عليه مع رسول الله فِي الغار. ألم يجد الصديق شقوقا فيمزع من ثيابه ليسد الشقوق ؟ ألم يضع قدمه فِي شق لأنه يخشى أن تجيء حشرة من الحشرات قد تؤذي حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ لقد أراد أن يحافظ على الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ولو افتداه ، وهذه شهادة بأن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنوا بأن بقاء الرسول خير لهم وللإيمان ولنفوسهم من بقائهم هم أنفسهم.