وعندما سأل عيسى: {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ؟} كانت إلى فِي السؤال تفيد الغاية ، وهي الله ، أي من ينصرني نصرا تصير غايته إلى الله وحده لا إلى هؤلاء البشر ؟ إنه لا يسأل عن أناس يدخلون فِي لواء الدعوة من أجل الغنيمة أو يدخلون من أجل الجاه, أو غير ذلك, إنه يسأل عن أهل العزم ليكون كل منهم متجها بطاقته إلى نصرة الله وحده.
ومثال ذلك ما دار بين رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وبين رجال من المدينة فِي أثناء مبايعتهم له فِي العقبة فقد قال لهم رسول الله":"أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون فيه نساءكم وأبناءكم"فأخذ الداء بن معرور بيده ثم قال:"نعم, والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مِما نمنع منه أزرنا"فبايعوا رسول الله على ذلك فقام أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين اليهود حبالا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتَدَعنَا"؟ فتبسم رسول الله ثم قال:"بل الدم الدم, والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني, أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم"أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم"."
أقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ستمتلكون الأرض, وستسودون الدنيا ، أو ستنتصرون على أعدائكم ؟ لا. بل قال صلى الله عليه وسلم أنا منكم وأنتم مِنِّي. لماذا ؟ لأنه لو قال لهم ستنتصرون على أعدائكم ، فقد يدخلون المعركة ، ويموت واحد منهم ؛ ولا يرى النصر ، لكن الأمر الذي سيراه كل المؤمنين أن رسول الله منهم وأنهم من رسول الله وما داموا كذلك فسيدخلون معه الجنة وهي الغاية الأصيلة.