والمدح بذلك، كناية عن مدحه باشتغاله بالعبادة عن متع الحياة الدنيا. وليس معناه أن ذلك في أفضل من الزواج مع الاشتغال بالعبادة. فإن الزواج من سنن الله في الأنبياء. ومن سننه في الجنس البشري، ليبقى خليفة عن الله تعالى في عمارة أرضه. وقد كان - على سنة يحيى - في ذلك - عيسى، عليهما السلام.
وفَسَّر الحصورَ بعضُ المفسرين: لأنه المبالغ في الحصر النفس، وحبسها عن المعاصي والشهوات، وكان ضمن بشارة الملائكة لزكريا عن ولده يحيى: أنه سيكون نبيًّا ناشئًا من الأُصول الصالحين، أو معدودًا في عدادهم.
والمراد من الصلاح: ما فوق الصلاح الذي لابد منه في منصب النبوة، بأن يكون في أقصى مراتبه، حتى يكون للوصف به بعد النبوة فائدة.
وتأنيث الفعل (قَالَتْ) عند إسناده إلى الملائكة، لجواز ذلك عند إسناده إلى الجماعة.
فالملائكة ليسوا إناثا. ولهذا رَدَّ اللهُ على المشركين حين ادعوا ذلك فقال:"وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ". وقد
جاء تذكير الفعل معهم بتأويل الجمع، كقوله تعالى:"وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ".
ويحيى هذا، هو المسمى عند المسيحيين: يوحنا المعمدان.
40 - {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} :
لَمَّا بشرته الملائكة بذلك، وتحقق من البشارة، تعجب من وقوع ذلك مع وجود الموانع، فقال: يا رب، من أين يكون لي غلام، وقد أدركتني الشيخوخة - فقد كانت سِنُّهُ - على ما روى عن ابن عباس - مائة وعشرين سنة - وامرأتي عاقر لا تلد! وقد كانت هي الأُخرى متقدمة في السن، إذ بلغت ثمان وتسعين سنة، على ما روى عن ابن عباس.
وإنما خاطب بذلك ربه ولم يخاطب الملائكة الذين بشروه، مبالغة في التضرع إلى الله تعالى. وحينئذ أجابه المولى قائلا: (كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) أي: الله يفعل ما يشاءُ، مثل ذلك من الأفعال الخارقة للعادة، الخارجة عن القياس.