والمعنى: أن زكريا، لما وجد عند مريم رزقًا عظيمًا، وتحقق أنه من عند الله تعالى: لا يأتيها به أحد من الناس - قال في نفسه: إن الذي جاءَ مريم بذلك الرزق، لَقَادِرٌ على أن يصلح لي زوجتي، ويرزقني منها ذرية .. فعند ذلك، قام في المحراب وابتهل إلى الله تعالى قائلا: رب هب لي من عندك ذرية طيبة مباركة صالحة، إنك كثير الإجابة لمن يدعوك.
وهنالك: وإن كان يشار به إلى المكان البعيد، إلا أنه قد يستعمل بمعنى: في تلك الحال مجازا، كما تقول: من هنالك، قلنا: كذا. أي في تلك الحال كذا. ومن هذه الجهة، قلت: كذا. ذكره الزجاج.
وقد علل زكريا طلبه بقوله: (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) : وأصله بمعنى: كثير السمع للدعاء، ولكنه أُريد منه هنا مجازا: إنك كثير الإجابة لمن يدعوك. فهذا هو الأكثر مناسبة للتعليل.
39 - {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} :
أكرم الله زكريا فَأجاب دعاءَه، وبعث إليه بالملائكة يبشرونه بذلك، فنادوه - وهو قائم يصلي في المسجد - أن الله تعالى يبشرك بولد ذَكَر سماه الله يحيى: مصدقًا بعيسى عليه السلام، الذي سُمِّيَ كلمة الله، لأنه خلقه بقوله: (كُنْ) فكان. ومعنى تصديقه به: إيمانه بأنه رسول الله. وهو بذلك، يكون أول من آمن به. ويحيى أكبر من عيسى.
فهذه البشارة كانت قبل أن تحمل مريم بعيسى، أو - على الأقل - قبل أن تلده. وذكر هذا التصديق، لتسفيه رأي اليهود في عيسى عليه السلام.
وقال أبو عبيدة: المراد بالكلمة هنا، الكتاب أو الوحي.
وقد وصف الله يحيى على لسان ملائكته المبشرين، بأنه سيكون سيدًا. والسيد: من يسود قومه. ثم أُطْلِق على كل فائق في الدين أو الدنيا. كما قاله بعض المحققين.
ويمكن أن يجتمع فيه الأمران: الرياسة في قومه، والتفوق في الدين. فإنه نبي الله، ومن الصالحين. كما سيأتي نَعْتُه بذلك.
ووصفته الملائكة أيضًا بأنه حصور .. وفسره ابن عباس: بأنه الذي لا يأتي النساء مع القدرة على ذلك. ولعل هذا، لأن انهماكه في العبادة، شغله عنهن.