(الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ أَيْ إِذَا رَآهُمُ الْجَاهِلُ بِحَقِيقَةِ حَالِهِمْ يَظُنُّهُمْ أَغْنِيَاءَ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّعَفُّفِ ، وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنَزُّهِ عَنِ الطَّمَعِ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ ، وَكُلِّ مَا لَا يَلِيقُ كَالْقَبِيحِ وَالْمُحَرَّمِ ، وَقَدْ فَسَّرَ أَهْلُ اللُّغَةِ التَّعَفُّفَ: بِالْعِفَّةِ وَبِالصَّبْرِ وَالنَّزَاهَةِ عَنِ الشَّيْءِ ، وَجَعَلَهُ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا لِلتَّكَلُّفِ ، وَلَكِنْ صِيغَةُ"تَفَعَّلٍ"تَأْتِي لِتَكَلُّفِ الشَّيْءِ ، وَلِلْمُبَالَغَةِ فِيهِ ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ هُنَا ، لِأَنَّ مَنْ يَتَكَلَّفُ الْعِفَّةَ قَلَّمَا يَخْفَى حَالُهُ عَلَى رَائِيهِ ،
وَأَمَّا الْمُبَالِغُ فِي الْعِفَّةِ فَهُوَ الَّذِي لَا يَكَادُ يَظْهَرُ عَلَيْهِ أَثَرُ الْحَاجَةِ ، فَهُوَ الْمُتَبَادَرُ هُنَا ، وَالْمَقَامُ مَقَامُ الْمَدْحِ وَالْمُبَالِغُ فِي الْفَضِيلَةِ أَحَقُّ بِهِ مِنْ مُتَكَلِّفِهَا .