وعادتهم يردّون على كلام أبي حيان بقوله {الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} فإن نفس الخلق غير موجب للهداية وإلا لزم منه مذهب المعتزلة القائلين بمراعاة (الأصلح) ، وعادتهم يجيبون بأن المراد: الذي خلقني هذا الخلق الخاص على هذه الصّفة وهي النبوءة فهو يهدين، وتقدم نظيره فِي قول الله تعالى {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} وفي سورة قد أفلح {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} قال ابن عرفة: فإن قلت: ما الحكمة فِي دخول الفاء مع أنه (يجوز) الَّذي يأتيني له درهم.
والمعنى فيه وغير ما فيه الفاء واحد، وكذلك (إن قلت) النفقة هنا (مستلزمة) لثبوت الأجر لهم (مع الفاء ومع عدمها) .
قلت: وعادتهم يجيبون بأن الخبر إذا كان ثابتا وعطف عليه ما يتوهم نفيه وعدم ثبوته فلا بد من الفاء ولا شك أن حزنهم مما يتوهم نفيه فأتي بالفاء الدالة على كمال الارتباط وأنّ ذلك سبب فِي نفي الحزن والخوف عنهم.
قال: ولفظ الرب هنا دال على أن هذا الثواب محض، تفضّل من الله تعالى كما يقول أهل السّنة خلافا للمعتزلة.
وعادتهم يوردون سؤالا وهو: لأى شيء نفى الحزن عنهم بالفعل والخوف بالاسم مع أن المناسب العكس لأن متعلق الحزن ماض والخوف مستقبل؟
قال: وعادتهم يجيبون بأن النكرة فِي سياق النّفي تفيد العموم بإجماع، والفعل فِي سياق النفي مختلف فيه، هل يفيد العموم أم لا؟ والماضي محصور لأنه مشاهد مرئي فمتعلقه غير متعدد، والمستقبل متعلقاته متعددة لأنه غير محصور، فالخوف منه يعظم لكثرة الخواطر التي تخطر (ببال الإنسان) ، (فقد) يخاف من كذا ويخاف من كذا ويخاف من شيء هو فِي نفس الأمر آمن فيه.
فلذلك نفي الخوف بلفظ الاسم الدال على العموم بإجماع ونفي الحزن بالفعل المحتمل للعموم وعدمه.
قلت: ورد هذا بمعنى الإجماع لأن النكرة عند النحويين لا تعمّ إلا إذا كانت مبنية مع (لا) مثل: لا رجل فِي الدار، بالفتح بلا تنوين.
ويجاب بأنها أعمّ من الفعل بلا شك. انتهى انتهى. {تفسير ابن عرفة حـ 2 صـ 762 - 765}