ما الذي حدث لهؤلاء الجاحدين المجرمين، فجعلهم يصرون إصرارا تاما على الإعراض عن مواعظ القرآن الكريم، وعن هداياته وإرشاداته، وأوامره ونواهيه .. حتى لكأنهم - في شدة إعراضهم عنه، ونفورهم منه - حمر وحشية قد نفرت بسرعة وشدة من أسد يريد أن يفترسها، أو من جماعة من الرماة أعدوا العدة لاصطيادها؟.
قال صاحب الكشاف: شبههم - سبحانه - في إعراضهم عن القرآن، واستماع الذكر والموعظة، وشرادهم عنه - بحمر جدت في نفارها مما أفزعها.
وفي تشبيههم بالحمر: مذمة ظاهرة، وتهجين لحالهم بين، كما في قوله - تعالى -:
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً، وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش، واطرادها في العدو، إذا رابها رائب ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب، في وصف الإبل، وشدة سيرها، بالحمر، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص .. .
والتعبير بقوله: فَما لَهُمْ ... وما يشبهه قد كثر استعماله في القرآن الكريم، كما في قوله - تعالى -: فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ... والمقصود منه التعجيب من إصرار المخاطبين على باطلهم، أو على معتقد من معتقداتهم .. مع أن الشواهد والبينات تدل على خلاف ذلك.
وقال - سبحانه - عَنِ التَّذْكِرَةِ بالتعميم، ليشمل إعراضهم كل شيء يذكرهم بالحق، ويصرفهم عن الباطل.
وقوله - سبحانه -: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً معطوف على كلام مقدر يقتضيه المقام، وهو بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم الكثيرة.
والصحف: جمع صحيفة، وهي ما يكتب فيها. ومنشره: صفة لها والمراد بها: الصحف المفتوحة غير المطوية. بحيث يقرؤها كل من رآها.
وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية: أن المشركين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم لن نتبعك حتى تأتى لكل واحد منا بكتاب من السماء، عنوانه: من رب العالمين، إلى فلان بن فلان، نؤمر في هذا الكتاب باتباعك.
أي: إن هؤلاء الكافرين لا يكتفون بمواعظ القرآن .. بل يريد كل واحد منهم أن يعطى
صحفا مفتوحة، وكتبا غير مطوية، بحيث يقرؤها كل من يراها. وفيها الأمر من الله - تعالى - لهم بوجوب اتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم.