وجملة قوله: {إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} تعليلٌ للاستواء المذكور، وذات الصدور: هي مضمرات القلوب؛ أي: أنه تعالى مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس وأسرارهم الخفية المستكنة في صدورهم، بحيث لا تكاد تفارقها أصلًا، فكيف يخفى عليه ما تسرونه وتجهرون به؟ ويجوز أن يراد بذات الصدور القلوب التي في الصدور.
والمعنى: أنه عليم بالقلوب وأحوالها فلا يخفى عليه سر من أسرارها، ولم يقل: ذوات الصدور لإرادة الجنس و (ذات) هنا تأنيث ذي بمعنى صاحب، حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه؛ أي: عليم بالمضمرات صاحبة الصدور، وهي الخواطر القائمة بالقلب من الدواعي والصوارف الموجودة فيه، وجعلت صاحبة الصدور بملازمتها لها وحلولها فيها كما يقال لِلّبن: ذو الإناء، ولولد المرأة وهو جنين: ذو بطنها.
والخلاصة: أنه تعالى محيط بمضمرات النفوس وأسرارها الخفية المستكنة في الصدور، فكيف لا يعلم ما تسرون وما تجهرون به؟!.
14 -ثم نصب الأدلة على إحاطة علمه بجميع الأشياء، فقال: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} ؛ أي: ألا يعلم السر والجهر من خلق وأوجد بحكمته جميع الأشياء التي هما من جملتها، والاستفهام فيه للإنكار والنفي لعدم إحاطة علمه تعالى بالمضمر والمظهر، فالموصول عبارة عن الخالق، وهو فاعل يعلم، ويجوز أن يكون عبارة عن المخلوق، وهؤ حينئذٍ منصوب على المفعولية ليعلم والفاعل ضمير يعود على الله، أي: ألا يعلم الله سبحانه المخلوق الذي هو من جملة خلقه؛ فإن الإسرار والجهر ومضمرات القلوب من جملة خلقه.
وجملة قوله: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير} في محل النصب على الحال من فاعل
{يَعْلَمُ} ؛ أي: والحال أنّه تعالى وحده اللطيف؛ أي: العالم بدقائق الأشياء يرى أثر النملة السوداء على الصخرة الصمّاء في الليلة الظلماء، {الْخَبِيرُ} أي: العالم ببواطنها. قال القاشاني: هو المحيط ببواطن ما خلق وظواهره، أي: هو الذي لطف علمه بما في القلوب، الخبير بما تسرّه وتضمره من الأمور، لا تخفى عليه من ذلك خافية.