قال الجمهور: إن الأرض مستديرة كالكرة، وإن السماء الدنيا محيطة بها من كل جانب إحاطة البيضة بالمح، فالصفرة بمنزلة الأرض، وبياضها بمنزلة الماء، وقشرها بمنزلة السماء، غير أن خلقها ليس فيه استطالة كاستطالة البيضة، بل هي مستديرة كاستدارة الكرة المستديرة الخرط حتى قال مهندسوهم: لو حفر في الوهم وجه الأرض .. لأدى إلى الوجه الآخر، ولو ثقب مثلًا بأرض الأندلس .. لنفذ الثقب بأرض الصين، وأنَّ السماء الثانية محيطة بالدنيا، وهكذا إلى أن يكون العرش محيطًا بالكل، والكرسي الذي هو أقربها إليه بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة، فما ظنك بما تحته وكل سماء في التي فوقها بهذه النسبة، والله أعلم.
وجملة قوله: {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} صفة ثانية لسبع سماوات أو مستأنفة لتقرير ما قبلها، والخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب. ووضع {خَلْقِ الرَّحْمَنِ} موضع الضمير؛ إذ المقام مقام أن يقال: (في خلقه) وهي السماوات على أن يكون بمعنى المخلوق، والإضافة بمعنى اللام للإشعار بأنه تعالى خلقها بقدرته القاهرة رحمةً وتفضّلًا. و {مِنْ} مزيدة لتأكيد النفي؛ أي: ما ترى فيه شيئًا من اختلاف واضطراب في الخلقة وعدم تناسب بل هو مستوٍ مستقيم.
قال القاشاني: سلب التفاوت عنها بساطتها واستدارتها ومطابقة بعضها بعضًا وحسن انتظامها وتناسبها، وهو من الفوت؛ فإن كلًّا من المتفاوتين يفوت منه بعض ما في الآخر، فلا يناسبه ولا يلائمه. انتهى. وقيل: معنى {مِنْ تَفَاوُتٍ} أي: من خلل وعيب، وإلا فالتفاوت بين المخلوقات بالصغر والكبر وغيرهما كثير. وجعل بعض العلماء {خَلْقِ الرَّحْمَنِ} عامًّا، فسئل بأن المخلوقات بأسرها على غاية التفاوت؛ لأنَّ الليل غير النهار إلى غير ذلك من الأضداد. ثم أجاب بأن ليس فيها تناقص أو زيادة غير محتاج إليها أو نقصان محتاجٌ إليه، بل لكل مستقيمة مستوية دالة على أن خالقها عالم انتهى.