فهذه الآية كأنها في إلزام الوعيد؛ يقول: إنه عالم بالأنفس التي فيها الصدور بما يضمرون فيها، وما يودعون، وما يكتمون، وما يخبرون عما أودعوا فيها ويظهرون.
والصدر: هو ساحة القلب، سميت صدرا؛ لأن الآراء تصدر عنها؛ فهو عالم بالأنفس التي لها الصدور بما يصدر عن آرائهم، وعالم بما يضمر فيها من الأسرار.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ...(14) .
تأويله عند أهل الإسلام: ألا يعلم من خلق ما أسروا أو جهروا، و (من) راجع إلى اللَّه تعالى دون الخلق، كأنه يقول: ألا يعلم الخالق (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ، وفيه إثبات خلق الأفعال والأقوال وخلق الشر؛ فيكون حجة لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد.
وقال جعفر بن حرب وأبو بكر الأصم: إن حرف (مَن) لا يرجع إلى اللَّه تعالى، وإنما يرجع إلى الخلق؛ فكأنه يقول: ألا يعلم اللَّه مَن خلق؛ على إضمار اسم اللَّه تعالى فاحتالا بهذه الحيلة لنفي الخلق عن الأفعال؛ لأن حرف (مَن) يرجع إلى الأنفس دون الأفعال والأقوال.