أن معنى الآية أن من خلق شيئاً لا بد وأن يكون عالماً بمخلوقه ، وهذه المقدمة كما أنها مقررة بهذا النص فهي أيضاً مقررة بالدلائل العقلية ، وذلك لأن الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين على سبيل القصد ، والقاصد إلى الشيء لا بد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك الشيء فإن الغافل عن الشيء يستحيل أن يكون قاصداً إليه ، وكما أنه ثبت أن الخالق لا بد وأن يكون عالماً بماهية المخلوق لا بد وأن يكون عالماً بكميته ، لأن وقوعه على ذلك المقدار دون ما هو أزيد منه أو أنقص لا بد وأن يكون بقصد الفاعل واختياره ، والقصد مسبوق بالعلم فلا بد وأن يكون قد علم ذلك المقدار وأراد إيجاد ذلك المقدار حتى يكون وقوع ذلك المقدار أولى من وقوع ما هو أزيد منه أو أنقص منه ، وإلا يلزم أن يكون اختصاص ذلك المقدار بالوقوع دون الأزيد أو الأنقص ترجيحاً لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال ، فثبت أن من خلق شيئاً فإنه لا بد وأن يكون عالماً بحقيقة ذلك المخلوق وبكميته وكيفيته ، وإذا ثبتت هذه المقدمة فنقول: تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن العبد غير موجد لأفعاله من وجهين الوجه الأول: قالوا: لو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها ، لكنه غير عالم بتفاصيلها فهو غير موجد لها ، بيان الملازمة من وجهين الأول: التمسك بهذه الآية الثاني: أن وقوع عشرة أجزاء من الحركة مثلاً ممكن ووقوع الأزيد منه والأنقص منه أيضاً ممكن ، فاختصاص العشرة بالوقوع دون الأزيد ودون الأنقص ، لا بد وأن يكون لأجل أن القادر المختار خصه بالإيقاع ، وإلا لكان وقوعه دون الأزيد والأنقص وقوعاً للممكن المحدث من غير مرجح ، لأن القادر المختار إذا خص تلك العشرة بالإيقاع فلا بد وأن يكون عالماً بأن الواقع عشرة لا أزيد ولا أنقص ، فثبت أن العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفاصيلها وأما أنه غير عالم بتفاصيلها فلوجوه أحدها: أن المتكلمين اتفقوا على أن