ولما كان الذي يخسف به من الأرض يصير كالساقط في الهواء وكان الساقط في الهواء يصير يضطرب ، سبب عن ذلك قوله: {فإذا هي} أي الأرض التي أنتم بها {تمور} أي تضرب وهي تهوي بكم وتجري هابطة في الهواء وتتكفأ إلى حيث شاء سبحانه ، قال في القاموس: المور الاضطراب والجريان على وجه الأرض والتحرك.
ولما كانوا ربما استبعدوا الخسفة ، وكانوا يعهدون ما ينزل من السماء من الندى والأمطار والصواعق ، عادل بذلك قوله: {أم أمنتم} أي أيها المكذبون ، وكرر لهم ذكر ما يخشونه زيادة في الترهيب فقال: {من في السماء} على التقديرين {أن يرسل عليكم} أي من السماء {حاصباً} أي حجارة يحصبكم - أي يرميكم - بها مع ريح عاصف بقوتها كما وقع لقوم لوط وأصحاب الفيل.
ولما كان هذا الكلام إنذاراً عظيماً ووعظاً بليغاً شديداً ، وكان حالهم عنده متردداً بين إقبال وإدبار ، سبب عنه على تقدير إدبارهم بتماديهم بما للإنسان من النقصان قوله متوعداً بما يقطع القلوب ، ولفت القول إلى مقام التكلم إيذاناً بتشديد الغضب: {فستعلمون} أي عن قريب بوعد لا خلف فيه في الدنيا ثم في الآخرة.
ولما كان العلم بكيفية الشيء أعظم من العلم بمطلق ذلك الشيء لأنه يلزم من العلم بها العلم بمطلق ذلك الشيء ، وكان ما هو بحيث يسأل عنه لا يكون إلا عظيماً قال: {كيف نذير} أي إنذاري البليغ إذا شاهدتم العذاب وهو بحيث لا يستطاع ، ولا تتعلق الأطماع بكشف له ولا دفاع ، وحذف الياء منه ومن"نكير"إشارة إلى أنه وإن كان خارجاً عن الطرق ليس منتهى مقدوره بل لديه مزيد ، لا غاية له بوجه ولا تحديد.