قال القرطبي: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة هلك أهل الأرض. فنزلت كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ فأيقنت الملائكة بالهلاك.
وقوله: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ أي: ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجوده وذاته، قال الشاعر:
قضى على خلقه المنايا ... فكل شيء سواه زائل
وهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا .. .
وقوله - تعالى -: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ بيان لغناه المطلق عن غيره، واحتياج غيره إليه.
والمراد باليوم هنا: مطلق الوقت مهما قل زمنه، والشأن: الأمر العظيم، والحدث الهام ..
أي: أنه - سبحانه - يسأله من في السماوات والأرض، سؤال المحتاج إلى رزقه، وفضله، وستره، وعافيته .. وهو - عز وجل - في كل وقت من الأوقات، وفي كل لحظة من اللحظات، في شأن عظيم. وأمر جليل، حيث يحدث ما يحدث من أحوال في هذا الكون، فيحيى ويميت، ويعز ويذل، ويغنى ويفقر، ويشفى ويمرض .. دون أن يشغله شأن عن شأن ..
قال الآلوسي ما ملخصه: قوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ أي: كل وقت من الأوقات، هو في شأن من الشئون، التي من جملتها إعطاء ما سألوا. فإنه - تعالى - لا يزال ينشئ أشخاصا، ويفنى آخرين، ويأتى بأحوال، ويذهب بأحوال، حسبما تقتضيه إرادته المبنية على الحكم البالغة ..
أخرج البخاري في تاريخه، وابن ماجه، وجماعة عن أبى الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية: «من شأنه: أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويخفض آخرين» .
وسأل بعضهم أحد الحكماء، عن كيفية الجمع بين هذه الآية، وبين ما صح من أن القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، فقال: «شئون يبديها لا شئون يبتديها» ..
وانتصب «كل يوم» على الظرفية، والعامل فيه هو العامل في قوله - تعالى -: فِي شَأْنٍ وهو ثابت المحذوف، فكأنه قيل: هو ثابت في شأن كل يوم .. .
ثم هدد - سبحانه - الذين يخالفون عن أمره تحذيرا شديدا، فقال: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.
وجيء بحرف التنفيس الدال على القرب وهو السين للإشعار بتحقق ما أخبر به - سبحانه - .