ثم سلى رسوله، وهدد المشركين بقوله: {وَكُلُّ أَمْرٍ} من الأمور {مُسْتَقِرٌّ} ؛ أي: منته إلى غاية يستقر عليها لا محالة. ومن جملتها: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فسيصير إلى غاية يتبين عندها حقيقته، وعلو شأنه. وإبهام المستقر عليه للتنبيه على كمال ظهور الحال، وعدم الحاجة إلى التصريح به. أو كل أمر من أمرهم، وأمره - صلى الله عليه وسلم - مستقر؛ أي: سيثبت، ويستقر على حالة خذلان، أو نصرة في الدنيا، وشقاوة أو سعادة في الآخرة. فإن الشيء إذا انتهى إلى غايته ثبت واستقر، يعني: أن الاستقرار كناية عن ملزومه. وهو الانتهاء إلى الغاية. فإن عنده يتبين حقيقة كل شيء من الخير والشر، والحق والباطل، والهوى، والحجة. وينكشف جلية الحال، ويضمحل الشبه والالتباس؛ فإنّ الحقائق إنما تظهر عند العواقب. فهذا وعيد للمشركين، ووعد وبشارة للرسول والمؤمنين. ونظيره قوله تعالى: {لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) } ؛ أي: كل نبأ وإن طالت مدته فلا بد أن ينتهي إلى غايته، وتنكشف حقيقته من حق أو باطل. وفي عين المعاني: وكل أمر وعدهم الله تعالى كائن في وقته, لأنه مستقر لا يزول.
والخلاصة: أي وكل شيء ينتهي إلى غاية تشاكله، فأمرهم سينتهي إلى الخذلان في الدنيا، والعذاب الدائم في الآخرة. وأمرك سينتهي إلى النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة. وهذه قاعدة عامّة تنضوي تحتها حركات الكواكب، والأفلاك، ونظم العمران، وأعمال الأفراد والأمم.
وقصارى ذلك: أن أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - سيصل إلى غاية يتبين عندها أنه الحق , وأنَّ ما سواه هو الباطل. فقد جرت سنة الله بأن الحق يثبت والباطل يزهق بحسب ما وضعه، في نظم الخليقة: البقاء للأصلح.
وقرأ الجمهور: {مُسْتَقِرٌّ} بكسر القاف. وهو مرتفع على أنه خبر المبتدأ. وهو كل. وقرأ أبو جعفر. وزيد بن علي بجر {مُسْتَقِرٍ} على أنه صفة للأمر. وقرأ شيبة بفتح القاف، ورويت هذه القراءة عن نافع. قال أبو حاتم: ولا وجه لها. وقيل: لها وجه بتقدير مضاف محذوف؛ أي: وكل أمر ذو استقرار أو ذو زمان استقرار، أو ذو مكان استقرار على أنه مصدر أو ظرف زمان، أو ظرف مكان.