4 -ثمّ ذكر أنهم في ضلال بعيد. فإنَّ ما جاء في القرآن من أخبار الماضين قد كان فيه مزدجر لهم لو كانوا يعقلون، فقال: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ} ؛ أي: وعزّتي وجلالي .. لقد جاء أهل مكة، أو الكفار على العموم في القرآن {مِنَ الْأَنْبَاءِ} ؛ أي: من أنباء القرون الخالية، أو أنباء الآخرة، وما وصف من عذاب الكفّار. فالألف واللام عوض عن المضاف إليه، و {من} للتبعيض. وهو حال مما بعده.
{مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} ؛ أي: ازدجار وارتداع من تعذيب إن أريد بالأنباء: أنباء القرون الخالية، أو وعيد إن أريد أنباء الآخرة على أنه مصدر ميمي. ويجوز أن يكون اسم مكان؛ أي: جاءهم ما فيه موضع ازدجارٌ على أنّ {في} تجريدية؛ أي: أنه في نفسه موضع ازدجار، ومظنّة له كقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ؛ أي: هو في نفسه أسوة حسنة. وقرئ {مزّجر} بإبدال تاء الافتعال زايًا وإدغام الزاي فيها. وقرأ زيد بن عليّ {مزجر} اسم فاعل من أزجر؛
أي: صار ذا زجر، كأعشب؛ أي: صار ذا عشب.
والمعنى: أي ولقد جاء هؤلاء المشركين الذين كذبوا بك، واتبعوا أهواءهم من الأخبار عن الماضين الذين كذبوا الرسل، فأحلَّ الله بهم من العقوبات ما قصه في كتابه ما يردعهم، ويزجرهم عما هم فيه من القبائح؛ إذ أبادهم في الدنيا، وسيعذبهم يوم الدين جاء وفاقًا لما دنسوا به أنفسهم من الشرك بربهم، وعصيان رسله، واجتراحهم للسيئات.
5 -ثم بين الذي جاءهم به، فقال: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} ؛ أي: هذه الأنباء حكمة بالغة غايتها متناهية في كونها حكمة، لا خلل ولا نقص فيها. أو قد بلغت الغاية في الإنذار، والنهي، والموعظة، والإرشاد إلى طريق الحق، لمن اتبع عقله وعصى هواه. وهو بدل من {ما} ، أو خبر لمحذوف.
وقرأ الجمهور: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} برفعهما، وجوزوا أن تكون {حِكْمَةٌ} بدلًا من {مُزْدَجَرٌ} ، أو من {مَا} ، أو خبر مبتدأ محذوف. وقرأ اليماني {حكمةً بالغةً} بالنصب فيهما حالًا من {مَا} ، سواء كانت موصولة أم موصوفة تخصصت بالصفة.