ونظير هذه الإشارة أنه يضحك بعد الأربعين وذلك عندما يتعقل نفسه الناطقة ويدركها وفي ذلك قصاص من البكاء الذي أصابه عند ولادته وتأخر بعده لكي يتأسى العبد إذا أصابته شدة فالفرج كمأتم يطلبها في أثرها:
ويضحك بعد الأربعين إشارة ... إلى فرج وافاه بعد الشدائد
يقول هي الدنيا فتبكيك مرة ... وتضحك أخرى فاصطبر للعوائد
قالوا ويرى الأماني بعد ستين يوماً من ولادته ولكنه ينساها لضعف القوة الحافظة وكثرة الرطوبات وفي ذلك لطف به أيضاً لضعف قلبه عن التفكر فيما يراه:
ويرى بعين القلب إذ يأتي له ... ستون يوما رؤية الأحلام
لكنه ينساه بعد لضعفه ... عن ضبطه في يقظة ومنام
(فصل)
ولما تكامل للنطفة أربعون يوماً فاستحكم نضجها وعقدتها حرارة الرحم استعدت لحالة هي أكمل من الأولى وهي الدم الجامد الذي يشبه العلقة ويقبل الصورة ويحفظها بانعقادها وتماسك أجزائها فإذا تم لها أربعون استعدت لحاقاً هي أكمل من الحالتين قبلها وهي صيرورتها لحماً أصلب من العلقة وأقوى وأحفظ للمخ المودع فيها واللحم هو كسوتها والرباطات تمسك أجزاءها وتشد بعضها بعضاً والكبد الذي يأخذ صفو الغذاء فيرسله إلى سائر الأعضاء وإلى الشعر والظفر والأمعاء التي هي مجاري وصول الطعام والشراب إلى المعدة والعروق التي هي مجاري منفذه وإيصاله إلى سائر أجزاء البدن والمعدة التي هي خزانة الطعام والشراب وحافظته لمستحقيه والقلب الذي هو منبع الحرارة ومعدن الحياة والمستولي على مملكة البدن والرئة التي تروح عن البدن وتفيده الهواء البارد الذي به حياته واللسان الذي هو بريد القلب وترجمانه ورسوله والسمع الذي هو صاحب أخباره والبصر الذي هو طليعته ورائده والكاشف له عما يريد كشفه والأعضاء التي هي خدمه وخوله والرجلان تسعى في مصالحه واليد تبطش في حوائجه والأسنان تفصل قوته وتقطعه والعروق توصله إلى أربابه والذكر آلة نسله وأنثياه خزانة مادة النسل والكبد للغذاء وقسمته وهي في الحيوان بمنزلة شرش الشجر والنبات تجدب الغذاء وترسله إلى جميع الأجزاء وآلات الغذاء خدم له والقلب للأرواح الذي به حياة الحيوان وآلات النفس خدم له والدماغ معدن الحس والتصور والحواس خدم له والأنثيان معدن التناسل والذكر خدم لهما وهذه الأعضاء هي رأس أعضاء البدن
(فصل)