قال: ومن أين أقبلت؟ قلت: من موضع يُتلَى فيه كلامُ الرحمن ؛ قال: وللرحمن كلام يتلوه الآدميون؟ قلت: نعم ؛ قال: فاتل عليّ منه شيئاً ؛ فقرأت {والذاريات ذَرْواً} إلى قوله: {وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ} فقال: يا أصمعي حسبك!! ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها ، وقال: أعنِّي على توزيعها ؛ ففرّقناها على من أقبل وأدبر ، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما ووضعهما تحت الرَّحل وولى نحو البادية وهو يقول: {وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} فمقتُّ نفسي ولمتُها ، ثم حججت مع الرشيد ، فبينما أنا أطوف إذا أنا بصوت رقيق ، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي وهو ناحل مصفر ، فسلّم عليّ وأخذ بيدي وقال: اتل عليّ كلام الرحمن ، وأجلسني من وراء المقام فقرأت"وَالذَّارِيَاتِ"حتى وصلت إلى قوله تعالى: {وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} فقال الأعرابي: لقد وجدنا ما وعدنا الرحمن حقًّا ، وقال: وهل غير هذا؟ قلت: نعم ؛ يقول الله تبارك وتعالى: {فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} قال فصاح الأعرابي وقال: يا سبحان الله! من الذي أغضب الجليل حتى حلف! ألم يصدقوه في قوله حتى ألجأوه إلى اليمين؟ فقالها ثلاثاً وخرجت بها نفسه.
وقال يزيد بن مرثد: إن رجلاً جاع بمكان ليس فيه شيء فقال: اللهم رزقك الذي وعدتني فأتني به ؛ فشبِع ورَوِي من غير طعام ولا شراب.
وعن أبي سعيد الخدرِيّ قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"لو أن أحدكم فرّ من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت"أسنده الثعلبي.