يروي الطبري والبغوي في صدد نزول الآيتين [38 و 39] أنهما نزلتا في موقف جدلي بين النبي صلّى الله عليه وسلّم واليهود حيث روى الطبري عن أبي بكر قال: «جاءت اليهود إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة؟ فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السموات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات يعني من يوم الجمعة وخلق في أول الثلاث الساعات الآجال وفي الثانية الآفة وفي الثالثة آدم قالوا صدقت إن أتممت فعرف النبي صلّى الله عليه وسلّم ما يريدون فغضب فأنزل الله وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلى ما
يَقُولُونَ
». وروى البغوي هذا الحديث بزيادة وهي: «أن اليهود حينما قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم صدقت إن أتممت قال وما ذاك قالوا ثم استراح يوم السبت واستلقى على العرش فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم وقال له فاصبر على ما يقولون من كذبهم فإن الله لهم بالمرصاد وهذا قبل الأمر بقتالهم» .
والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن الآية [38] التي فيها خلق السموات والأرض في ستة أيام مدنية دون الآية [39] مع أن الآية [39] هي الأولى لأن تكون مدنية. لأن فيها أمرا بالصبر على ما يقولون، ومقتضى الرواية أن تكون الآيات نزلت مجزأة مع أنها وحدة منسجمة متوازنة وهي وما قبلها في صدد مواقف الكفار منكري البعث وفي صدد إنذارهم وحكاية ما سوف يلقونه من مصير أخروي رهيب وما سوف يلقاه المؤمنون من مصير أخروي سعيد بالمقابلة. وكل هذا يجعلنا نتوقف أولا في رواية مدنية الآية [38] ثم في الرواية التي يرويها الطبري كسبب لنزول الآيات ونرجح أنها في صدد البرهنة على قدرة الله تعالى على بعث الناس بالتذكير بأنه الذي خلق السموات والأرض وما بينهما دون أن يناله بذلك إعياء وعجز. وبأن من كان كذلك قادر من باب أولى على الخلق ثانية. وقد استمر الإنذار الرباني لهم مع تسلية النبي وتثبيته مما هو متصل بموضوع الآيات عامة.