وقوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} : تعليل للنهي عن التفاخر بالأنساب، المستفاد من الكلام بطريق الاستئناف التحقيقي، كأنه قيل: إنّ الأكرم عنده تعالى هو الأتقى، وإن كان عبدًا حبشيًا أسود، مثل: بلال - رضي الله عنه - فإن فاخرتم .. ففاخروا بالتقوى؛ أي: إنَّ الأكرم عند الله الأرفع منزلة لديه عَزَّ وَجَلَّ في الآخرة والدنيا، هو الأتقى، فإن فاخرتم .. ففاخروا بالتقوى، فمن رام نيل الدرجات العلا في الدنيا والآخرة .. فعليه بها، فمن تلبس بها .. فهو المستحق؛ لأن يكون أكرم ممن لم يتلبس بها وأشرف وأفضل فدعوا ما أنتم فيه من التفاخر بالأنساب، فإنّ ذلك لا يوجب كرمًا، ولا يثبت شرفًا، ولا يقتضي فضلًا.
وقرأ الجمهور: {إنَّ} بكسر الهمزة، وقرأ ابن عباس: بفتحها، وكان قرأ: {لتعرفوا} مضارع عرف، فاحتمل أن تكون {أنَّ} : معمولة لـ {تَعَارَفُوا} وتكون {اللام} في {لتعرفوا} : لام الأمر، وهو أجود من حيث المعنى، وأمَّا إن كانت لام كي .. فلا يظهر المعنى أن جعلهم شعوبا وقبائل؛ لأن تعرفوا أن الأكرم هو الأتقى، فإن جعلت مفعول {لتعرفوا} محذوفًا؛ أي: لتعرفوا الحق؛ لأنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم، ساغ في لام {لِتَعَارَفُوا} أن تكون لام كي.
قيل: أكرم الكرم التقوى، وألأم اللؤم الفجور، وقال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى. أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، وروى ابن عمر رضي الله عنهما: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس يوم فتح مكة، وهو على راحتله، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال:"أيها الناس، إنّ الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وتكبرها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، ورجل فاجر شقي هين على الله تعالى، إن الله عَزَّ وَجَلَّ يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ثم قال:"أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم". قوله:"عيبة الجاهلية"، يعني: كبرها وفخرها."