وأما قبول إنذارهم فهو من الاتباع لا من التقليد ، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله.
وأما استدلالهم بأن ابن الزبير ، قال ما يدل على تقليده لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في أن الجد يحجب الإخوة ، فهو ظاهر السقوط أيضاً.
وقد قدمنا مراراً في رد استدلالهم بتقليد الصحابة بعضهم بعضاً ما يكفين فأغنى عن إعادته هنا.
وأم استدلالهم بقبول شهادة الشاهد في الحقوق. قائلين: إن قبول شهادته فيما شهد به تقليد له ، فهو ظاهر السقوط لظهور الفرق بينه وبين ما استدلوا عليه به. من تقليد رجل واحد بعينه ، بحيث لا يترك من أقواله شيء ولا يؤخذ مما خالفها شيء ، ول كان كتاباً أو سنة.
وذلك من وجهين.
أحدهما: أن العمل بشهادة الشاهد أخذ بكتاب الله وسنة رسوله ، لأن الله يقول: {وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُم} [الطلاق: 2] ويقول:
{واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء} [البقرة: 282] إلى غير ذلك من الآيات.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم القضاء بالشاهد واليمين في الأموال.
وفي الحديث"شاهداك أو يمينه"وهو حديث صحيح.
فالأخذ بشهادة الشاهد إذا من العمل بكتاب الله وسنة رسوله لا من التقليد لرجل واحد بعينه تقليداً أعمى.
الوجه الثاني: أن الشاهد إنما يخبر عما أدركه بإحدى حواسه والمدرك بالحاسة يحصل به القطع لمن أدركه بخلاف الرأي ، فإن صاحبه لا يقطع بصحة ما ظهر له من الرأي.
ولذا أجمع العلماء على الفرق بين خبر التواتر المستند إلى حس ، وبين خبر التواتر المستند إلى عقل.
فأجمعوا على أن الأول يوجب العلم المفيد للقطع لاستناده إلى الحس.
وأن الثاني لا يوجبه ، ولو كان خبر التواتر يفيد العلم في المعقولات لكان قدم العالم مقطوعاً به.
لأنه تواتر عليه من الفلاسفة خلق لا يحصيهم إلا الله.
مع أن حدوث العالم أمر قطعي لا شك فيه.