فالذين تواتروا من الفلاسفة على قدم العالم الذي هو من المعقولات لا من المحسوسات لو تواتر عشرهم على أمر محسوس لأفاد العلم اليقني فيه.
فالشاهد إن أخبر عن محسوس ، وكان عدلاً ، فهو عدل مخبر عما قطع به قطعاً لا يتطرق إليه الشك بخلاف المتجهد ، فإنه عدل أخبر عما ظنه ، فوضح الفرق بين الأمرين كما ترى.
وأما استدلالهم على تقليدهم بقبول قول القائف والخارص والمقوم والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد. وتقليد الأعمى في القبلة.
وتقليد المؤذنين في الوقت والمترجمين والمعرفين ، والمعدلين ، والمجرحين.
وتقليده المرأة في ظهرها ، فهو كله ظاهر السقوط أيضاً.
لأن جمع ذلك لا يقبل منه إلا ما قام عليه دليل من كتاب أو سنة.
فالعمل به من العمل بالدليل الشرعي لا من التقليد الأعمى.
وذلك كله من قبيل الشهادة ، والإخبار بما عرفه القائف والخارص إلى آخره ، لا من قبيل الفتوى في الدين.
وقد استدل العلماء على قبول قول القائف بسرور النبي صلى الله عليه وسلم من قول مجزز بن الأعور المدلجي في أسامة وزيد"هذه الأقدام بعضها من بعض"
فلو كان قول القائف: لا يقبل لما أقره النبي صلى الله عليه وسلم.
ولما برقت أسارير وجهه سروراً به.
فقبوله لذلك ، فهو اتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد قدمنا الأحاديث النبوية الدالة على قبول قول الخارص ، وبينا أن بعضها ثابت في الصحيح. ورد قول من منع ذلك في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] .
فهذا مثال ما ثبت بالسنة من قبول قول المذكورين.
ومثال ما دل عليه القرآن من ذلك قبول قول الحكمين في المثل في جزاء الصيد ، لأن الله نص عليه في قوله تعالى {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُم} [المائدة: 95] الآية.
وهكذا كل من ذكروا ، فإن قبول قولهم: إنما صح بدليل شرعي يدل على قبوله من كتاب أو سنة أو إجماع.