وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] قائلين إن الآية أوجبت قبول إنذارهم ، وأن ذلك تقليد لهم ، فهو ظاهر السقوط أيضاً.
لأن الإنذار في قوله: {وَلِيُذِرُواْ قَوْمَهُمْ} لا يكون برأي.
وإنما يكون بالوحي خاصة ، وقد حصر تعالى الإنذار في الوحي بأداة الحصر التي هي إنما في قوله: {قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بالوحي} [الأنبياء: 45] .
وبه تعلم أن الإنذار لا يقوم إلا بالحجة فمن لم تقم عليه الحجة ، لم يكن قد أنذر ، كما أن النذير من أقام الحجة ، فمن لم يأت بحجة فليس بنذير.
فممّا لا شك فيه أن هذا الإنذار المذكور في قوله {وَلِيُنذِرُواْ} ، والتحذير من مخالفته في قوله: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} ليس برأي ولا اجتهاد.
وإنما هو إنذار بالوحي ممن تفقه في الدين ، وصار ينذر بماعلمه من الدين ، كما يدل عليه قوله تعالى قبله {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدِّينِ} [التوبة: 122] ، فهو يدل على أن قوله {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ} [التوبة: 122] أي بما تفقهوا فيه من الدين.
وليس التفقه في الدين إلا علم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فتبين أن الآية لا دليل فيها ألبتة لطائف التقليد ، الذين يوجبون تقليد إمام بعينه ، من غير أن يرد من أقواله شيء ، ولا يؤخذ من أقوال غيره شيء.
ونجعل أقواله عياراً لكتاب الله وسنة رسوله فما وافق أقواله منها قبل وما لم يوافقها منها رد.
وهذا النوع من التقليد لا شك في بطلانه ، وعدم جوازه.
فالآية الكريمة بعدية كل البعد من الدلالة عليه ، مع أن استدلال المقلدين بها على تقليدهم استدلال بشيء يعتقدون أن الاستدلال به ممنوع باتاً ، لأنه استدلال بقرآن.