فقدْناه ذاتَ ليلة ونحن بمكة ، فقلنا: اغتيل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أو استُطير ، فانطلقْنا نطلبه في الشِّعاب ، فلقِيناهُ مُقْبِلاً من نحو حِراء ، فقلنا: يا رسول الله ، أين كنتَ؟ لقد أشفقنا عليك ، وقلنا له: بِتْنا الليلةَ بِشَرِّ ليلةٍ بات بها قوم حين فَقَدْناكَ ، فقال:"إِنه أتاني داعي الجن ، فذهبت أُقْرِئهم القرآن"فذهبَ بنا ، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم"وقال قتادة:"ذُكِر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنِّي أُمِرْتُ أن أقرأ على الجن ، فأيُّكم يَتبعُني"؟ فاطرقوا ، ثم استتبعهم فأطرقوا ، ثم استتبعهم الثالثةَ فأطرقوا ، فأتبعه عبد الله بن مسعود ، فدخل نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم شِعْباً يقال له:"شِعْبُ الحَجون"، وخطَّ على عبد الله خطّاً ليُثبته به ، قال: فسمعت لغطاً شديداً حتى خِفْتُ على نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم فلمّا رجَع قلت: يا نبي الله ما اللغط الذي سمعتُ ، قال:"اجتَمعوا إِليَّ في قتيل كان بينهم ، فقضيت بينهم بالحق"
والثالث: أنهم مَرُّوا به وهو يقرأ ، فسمعوا القرآن.
فذكر بعض المفسرين أنه لمّا يئس من أهل مكة أن يجيبوه ، خرج إِلى الطائف ليدعوَهم إِلى الإِسلام وقيل: ليلتمس نصرهم وذلك بعد موت أبي طالب ، فلمّا كان ببطن نخلة قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر ، فمرَّ به نفرٌ من أشراف جِنِّ نصيبين فاستمعوا القرآن.
فعلى هذا القول والقول الأول ، لم يعلم بحضورهم حتى أخبره الله تعالى ؛ وعلى القول الثاني ، عَلِمَ بهم حين جاءوا.
وفي المكان الذي سمِعوا فيه تلاوةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قولان:
أحدهما: الحَجون ، وقد ذكرناه عن ابن مسعود ، وبه قال قتادة.
والثاني: بطن نخلة ، وقد ذكرناه عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد.
وأما النَّفَر ، فقال ابن قتيبة: يقال: إِنَّ النَّفَر ما بين الثلاثة إِلى العشرة.
وللمفسرين في عدد هؤلاء النَّفَر ثلاثة أقوال: