بمعنى الفصل ولذا قال [ويدل] عليه قوله أو وقته أي الفصال وقت الفطام فحِينَئِذٍ يكون
فصاله مَعْطُوفًا عَلَى مدة الحمل، وعلى الأول يكون مَعْطُوفًا عَلَى الحمل فتكون المدة معتبرة
في الفصال فلا فَائدَة في تعرض الوجه الثاني لأن مآله الوجه الأول.
قوله: (والْمُرَاد به) أي بفصاله عَلَى الوَجْهَيْن لما عرفت من أن مآلهما واحد.
قوله: (الرضاع التام المنتهي به) بحَيْثُ لا يصح الزّيَادَة عليه شرعًا.
قوله: (ولذلك عبر به كما يعبر بالأمد عن المدة) ولذلك أي لكون الْمُرَاد الرضاع
التام عبر بالفصال لأنه يفيد التفريق عَلَى وجه التمام بخلاف الرضاع فإنه لو قيل: وحمله
ورضاعه ثلاثون شهرًا لم يفد الرضاع التام. قوله كما يعبر بالأمد عن المدة. قال الرَّاغب: يقال
أمد كذا كما يقال زمانه، والفرق بَيْنَهُمَا أن الأمد يقال باعْتبَار الغاية والزمان عام للغاية
والمبدأ، ولذلك قال بعضهم المعنى والأمد متقاربان انتهى. ومراد الْمُصَنّف أن الأمد بمعنى
النهاية وأنه عبر به عن جميع المدة مَجَازًا كما [تطلق] الغاية عَلَى مجموع المسافة مَجَازًا ذكر
الجزء وأُريد الكل مَجَازًا وباب الْمَجَاز مفتوح، فلا يقال إنه مخالف لكلام أهل اللغة عَلَى أنه
لا تسلم مخالفته لكلام أهل اللغة، كَيْفَ لا وقد صرح صاحب الكَشَّاف بذلك وهو من كبار
أئمة اللغة، فثبت اسْتعْمَاله بهذا الْمَعْنَى سواء كان حَقيقَة أو مَجَازًا.
قوله: (قال: كُلّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُمـ ... رِ وَمَوده إِذَا انْتَهَى أَمَدّهُ) قيل البيت لشعر قديم
لعبيد الأبرص وتمامه:
[وَمَوده إِذَا انْتَهَى أَمَدّهُ]
انتهى. ومحل الاستشهاد إذا انتهى. أمده إذا تم زمانه وهذا القدر كاف في الاستشهاد
ولا يضره احتمال كون الْمَعْنَى انقضى ومضى لأن المقام مما يكفي فيه الظن.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
الرضاع التام عبر عنه بالفصال لأن المقصود بيان زمان تمام الرضاع وتمامه إنما يكون بالفصال فعبر
به عنه أداء للمقصود. وفي الكَشَّاف: لما كان الرضاع يليه الفصال ويلابسه لأنه ينتهي به ويتم سمي
فصالًا كما سمى المدة بالأمد من قال: كُلّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُم ... رِ وَمَود إِذَا انْتَهَى أَمَدّهُ. ومود أي
هالك من أودى إذا هلك بقوله كل حي يستكمل مدة عمره ويهلك [إذا] انتهى عمره فإن الْمُرَاد بالأمد
مدة العمر، وقد عبر به عنها. وجه التشبيه بين ما في الآية وبين ما في البيت كون كل منهما تسمية
للشيء باسم ما له ينتهي ذلك الشيء فإنه قد سمي الرضاع بما ينتهي هُوَ به وهو الفصال كما سمى
المدة بما [تنتهي] هي به وهو الأمد والأمد غاية المدة كما أن الفصال غاية الرضاع. قال الراغب: الأمد
والأبد يتقاربان لكن الأبد عبارة عن مدة الزمان التي ليس لها حد محدود ولا يتقيد، لا يقال [أبد] كذا.
والأَمَدُ: مدّة لها حدّ مجهول إذا أطلق،[وقد ينحصر نحو أن يقال: أمد كذا، كما يقال: زمان كذا، والفرق بين الزمان
والأمد أنّ الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمان عامّ في المبدأ والغاية، ولذلك قال بعضهم: المدى والأمد
يتقاربان]. [قال] صاحب الكَشَّاف: وفيه فَائدَة وهي الدلالة عَلَى الرضاع التام المنتهي بالفصال ووقته. أي
وفيه إشَارَة الض وإدماج معنى الفصل والفطام التام، ولو قيل: وحمله وفطامه ثلاثون شهرًا لم يكن
نصًا في الرضاع التام المنتهي بالفصال، وفي كل عدول عن الظَّاهر إشَارَة إلَى دقيقة.