ونحن نرى الحيوانات مثلاً تمارسها لبقاء النوع فقط، لذلك ساعة يأتي الفحل للأنثى يشمّها أولاً، فإنْ وجدها حاملاً لا يقربها، وهي أيضا لا تُمكّنه من نفسها، والعجيب أننا نعيب الحيوانات ونقول: شهوة بهيمية .. سبحان الله!!
ثم إننا نلاحظ في هذه المسألة أن طفولة الإنسان هي تقريباً أطول فترة طفولة إذا ما قُورنت بباقي المخلوقات، فالحيوان مثلاً يلد ثم تُرضع الأم ولدها، وبعد فترة الرضاعة لا تعرفه ولا تهتم به.
أما في الإنسان فهو طفل حتى سنِّ البلوغ، اقرأ:
{وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ ..} [النور: 59] ذلك لأن الإنسان مرتبطٌ ومكلّف تكليفاً أعلى من الحق سبحانه ومطلوب منه أنْ يأتمر بأمره، وأنْ ينتهي عن نَهْيه.
إذن: طبيعة الإنسان وتكريمه بصلته بالله جعلتْ فترة تربيته طويلة تناسب مهمته في الحياة. انظر مثلاً إلى البقرة تلد فينزل ولدها يتحرك وينفض عن نفسه البلل، ثم يقف بعد دقائق ثم ينهض واقفاً، ثم يجري حولها كل هذا في ساعة من الزمن.
أما الولد عندنا فيستطيع الجلوس مثلاً بعد عدة أشهر ثم يحبو ثم يقف ثم يمشي بعد سنة أو أكثر، بل وعندنا مَنْ يمد فترة الطفولة لأبنائه إلى سن 25 سنة، وهو في حكم الطفل يعوله وينفق عليه ولا يُحمِّله المسئولية.
والتوصية بالوالدين وردتْ في القرآن في أربعة مواضع مقرونة بعبادة الله:
{وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} [النساء: 36] وقال:
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} [البقرة: 83] .
وفي سورة الأنعام:
{قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} [الأنعام: 151] وفي سورة الإسراء:
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} [الإسراء: 23] .
هذه أربعة مواضع يأمر فيها الحق سبحانه الأولاد بالإحسان إلى الوالدين، ويقرن هذا لأهميته بعبادة الله وكأنهما في الميزان سواء؛ لأن الوالدين كما ذكرنا هما سببُ الوجود المباشر، وبرّهما والإحسان إليهما تمهيد وتدريب يُذكِّرك بالسبب الأعلى لوجودك، وهو الخالق سبحانه وتعالى.
وهذه الوصية يلزمنا الله بها حتى إنْ كان الولدان كافريْنِ كما قلنا في وصية عامة، يقول تعالى: