يعني: إنْ تواجهنا في قتال فنحن ننتظر أحد أمرين، إما أنْ ننتصر عليكم ونكسر شوكتكم ونُذلكم، وإما أنْ نُقتل فنظفر بالشهادة، فنحن رابحون على أيِّ حال، أما أنتم فننتظر أنْ يُصيبكم اللهُ بعذاب من عنده أو بأيدينا، لذلك دخل المسلمون على هذه المسألة بثقة ويقين لا يخالطه شكّ.
{أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}
قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ ..} [الأحقاف: 14] إشارة للذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، فالحق يُحدِّثنا عن جزائهم وعاقبة إيمانهم واستقامتهم، فهم {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ..} [الأحقاف: 14] أصحابها إما مالكوها، وإما أنها مصاحبة لهم وهم مصاحبون لها، يعني: بينهما علاقة وُدٍّ وتفاهم وميْل، كلٌّ منهم يميل إلى الآخر ويشتاق إليه.
والصاحب هو مَنْ تصطفيه من خلق الله ممَّنْ توافق أخلاقه أخلاقك، وطباعه طباعك، وسلوكه سلوكك. فهؤلاء الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا اختاروا الجنة واختارتهم واتخذتهم أصحاباً وأصفياء.
وقد ورد أن الجنة تشتاق إلى أهلها وتنتظرهم وتسأل عنهم، كما أن النار تشتاق إلى أهلها وتنتظرهم. ولا غرابةَ في ذلك، فكلُّ مخلوق له لغته التي يعبر بها، حتى الجمادات.
وقال تعالى:
{كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ..} [النور: 41] فكلّ يُسبِّح بلغته هو أنت لا تفهمها لأنه لا يتحدث بلغتك، إنما الذي خلقها أعطاها لغة خاصة تتفاهم بها مع جنسها.
والقرآن يُخبرنا أن النملة تكلمتْ مع بني جنسها وتفاهمتْ معهم، وسمع سليمان كلامها وشكر الله أنْ أعطاه نعمة الفهم عن هذه المخلوقات، لذلك صوَّبنا مقولة: إن الحصى سبَّح في يد رسول الله.
فهذه ليستْ ميزة لأن الحصى مُسبّح بطبيعة الحال، فهو يُسبِّح حتى في يد أبى جهل، لكن الصواب أنْ نقول: سمع رسول الله تسبيح الحصى في يده.
{أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا ..} [الأحقاف: 14] لأن نعيم الجنة باقٍ خالد لا ينتهي ولا يُنغصه ما يُنغص نعمة الدنيا، فلا يفوتك ولا تفوته {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 14] قالوا: هذا الجزاء أهو حَقٌّ للعبد؟ أم هو تفضل من الله؟
قالوا: الجنة تفضل من الله، والعمل ما هو إلا سببٌ لا ثمنٌ لدخولها، لأن الحق سبحانه وتعالى حينما شرع لنا الشرائع إنما شرعها لمصلحتنا ولسلامتنا واستقامة أمور حياتنا على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة.