{شَهْراً حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أوزعنى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى والدى وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه وَأَصْلِحْ لِى فِى ذريتى إِنَّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ} .
{حتى} ابتدائية ومعناها معنى فاء التفريع على الكلام المتقدم ، وإذ كانت {حتى} لا يفارقها معنى الغاية كانت مؤذنة هنا بأن الإنسان تدرج في أطواره من وقت فصاله إلى أن بلغ أشده ، أي هو موصًى بوالديه حسناً في الأطوار الموالية لفصاله ، أي يوصيه وليّه في أطوار طفولته ثم عليه مراعاة وصية الله في وقت تكليفه.
ووقوع {إذا} بعد {حتى} ليرتب عليها توقيت ما بعد الغاية من الخبر ، أي كانت الغاية وقت بلوغه الأشدّ ، وقد تقدمت نظائر ذلك قريباً وبعيداً منها قوله تعالى: {حتى إذا فشلتم} في سورة آل عمران (152) .
ولما كان إذا ظرفاً لزمن مستقبل كان الفعل الماضي بعدها منقلباً إلى الاستقبال ، وإنما صيغ بصيغة الماضي تشبيهاً للمؤكد تحصيله بالواقع ، فهو استعارة.
و {إذا} تجريد للاستعارة ، والمعنى: حتى يبلغ أشده ، أي يستمر على الإحسان إليهما إلى أن يبلغ أشده فإذا بلغه {قال رب أوزِعْني} ، أي طلب العون من الله على زيادة الإحسان إليهما بأن يلهمه الشكر على نعمه عليه وعلى والديه.
ومن جملة النعم عليه أن ألهمه الإحسان لِوالديه.
ومن جملة نعمه على والديه أن سخر لهما هذا الولد ليحسن إليهما ، فهاتان النعمتان أول ما يتبادر عن عموم نعْمة الله عليه وعلى والديه لأن المقام للحديث عنهما.
وهذا إشارة إلى أن الفعل المؤقت ببلوغ الأشد وهو فعل {قال ربّ أوزعني} من جملة ما وُصِي به الإنسان ، أي أن يحسن إلى والديه في وقت بلوغه الأشد.
فالمعنى: ووصينا الإنسان حُسناً بوالديه حتى في زمن بلوغه الأشد ، أي أن لا يفتر عن الإحسان إليهما بكل وجه حتى بالدعاء لهما.