وبينما الأخذ والعتل , والصب والكي , والتأنيب والخزي. . في جانب من جوانب الساحة. . يمتد البصر - بعين الخيال - إلى الجانب الآخر. فإذا (المتقون) الذين كانوا يخشون هذا اليوم ويخافون. إذا هم: (في مقام أمين) . . لا خوف فيه ولا فزع , ولا شد فيه ولا جذب , ولا عتل فيه ولا صب! بل هم منعمون رافلون (في جنات وعيون) . . يلبسون من سندس - وهو الحرير الرقيق - ومن إستبرق - وهو الحرير السميك - ويجلسون متقابلين في مجالسهم يسمرون. كل ذلك ومثله تزويجهم بحور عين , يتم بهن النعيم. وهم في الجنة أصحاب الدار , يطلبون ما يشاءون و (يدعون فيها بكل فاكهة آمنين) . . لا يتوقعون نهاية لهذا النعيم , فلا موت هنالك وقد ذاقوا الموتة الأولى , وغيرها لا يذوقون. . وذلك في مقابل ما كان المشركون يقولون: (إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين) . . فنعم إنها الموتة الأولى ولكن وراءها الجحيم والنعيم. (ووقاهم عذاب الجحيم) . . تفضلاً منه سبحانه. فالنجاة من العذاب لا تكون إلا بفضله ورحمته: (فضلاً من ربك. ذلك هو الفوز العظيم) . . وأي فوز عظيم ?!
الدرس السادس:58 - 59 نعمة الرسالة وتخويف من خاتمة التكذيب
وفي ظل هذا المشهد العنيف العميق المؤثر بجانبيه تختم السورة بالتذكير بنعمة الرسالة والتخويف من عاقبة التكذيب:
(فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون. فارتقب إنهم مرتقبون) . .
وهو ختام يلخص جو السورة وظلها. ويتناسق مع بدئها وخط سيرها. فقد بدأت بذكر الكتاب وتنزيله للإنذار والتذكير , وورد في سياقها ما ينتظر المكذبين. (يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون) . . فجاء هذا الختام يذكرهم بنعمة الله في تيسير هذا القرآن على لسان الرسول العربي الذي يفهمونه ويدركون معانيه. ويخوفهم العاقبة والمصير , في تعبير ملفوف. ولكنه مخيف: (فارتقب إنهم مرتقبون) . انتهى انتهى. {الظلال حـ 6 صـ 3207 - 3217}