وتستمر المناقشة إلى أن تُختَم السورةُ بإعلان النتيجة التي تظهر دائمًا في كل مباراةٍ على أرض هذه الدنيا بين فريق الإيمان وفريق الكفران، بين الرسل والكفار الذين لم يتعبوهم، ولقد سبقت، انتهت، قضيت، قضيناها من أول الدنيا:"وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ" [الصافات: 171 - 173] الذين من الأنبياء والمرسلين وأتباعهم:"وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ" [الصافات: 173] ، هذه قضيةٌ مسلمةٌ عند الله تعالى، إلى أن نزه الله نفسه فقال:"سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" [الصافات: 180 - 182] ، فيلتقي بذلك ختام السورة مع أول السورة؛ حيث يقول الله تعالى هناك:"وَالصَّافَّاتِ صَفًّا *"وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ" [الصافات: 1 - 4] ، وهنا يقول:"سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ"وصفوه بأنه أنجب الملائكة، وكانت الملائكة بناتًا، ولم ينجب الله ذكرانًا، وإنما أنجب بناتًا، افتراءٌ عظيم قبيح، لعنَهم الله به، وتنزه الله عن ذلك وتعالى علوًّا كبيرًا، فتأتي أطراف السورة هكذا؛ لتوحي بهدفها الصافات؛ أي: الملائكة الذين اعتبرتموهم بناتًا لله، وعبدتموهم وهمًا، ولا يعترفون بعبادتكم، إنما هم ليسوا بناتًا لله، ولا بنين حتى لله، وإنما هم خلقٌ من خلق الله، عبيدٌ من عبيده، يسبحون له ويعبدونه، ويتلون ذكره ويصطفون في ذلك، والاصطفاف أحبتي الكرام دليلٌ على مدى الانتظام ومدى الرهبة لصاحب المقام، فإذا كان المقام ذا رهبةٍ وكان صاحبه ذا هيبة، اصطف الجالسون أو اصطف الواقفون، وهكذا يصطف الناس لربهم في صلاة الجمعة، وفي صلاة الجماعات، وكذلك:"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ" [الصف: 4] ، هذا من باب الانتظام أمام الله تعالى، فهو ينظر إلينا ويرانا سبحانه، وكذلك الملائكة تصطف إذًا مهابةً لله وتعظيمًا"