وتَمضي الآيات حيث ذكر الله أهل النار، فلا يكتمل أمر العذاب، ولا تكتمل صورته البشعة ولا يشتد ألَمه، ويكتمل حتى يرى أهل النار أهل الجنة منعمين، فلو كان الكل بعد هذه الدنيا في النار فلا حرج، الكل كذلك يعزي بعضهم بعضًا بقوله، لكن حينما يرى نفسه في النار ويرى مؤمنًا كان يصاحبه، أو كان يجاوره في الدنيا، أو كان يعرفه، لا يراه مثلَه في النار، وإنما يراه في أعالي الجنات:"أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ" [الصافات: 41 - 43] ، ما شاء الله، فعند ذلك تكتمل حسرة الكافر، فكان الموقف يَستدعي ذكر صورة من صور المؤمنين في الجنة، وكما تخاصم أهل النار وتنازعوا الحديث فيما بينهم يتلاومون، ذكر الله أن أهل الجنة أيضًا يتنازعون أطراف الحديث، لكن متفكهين متذكرين الدنيا، وما كان فيها، مستذكرين فضل الله ونعمته عليهم:"فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ" [الصافات: 50، 51] ، من أهل الجنة لبعض أصحابه يُحاكيهم ويسمعون ويتسلون:"إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ" [الصافات: 51 - 54] ، بينما هو يحكي القصة عينه من أعلى تنظر في أسفل النار، فيرى أهلها وإذا به يُميز من بين أهلها ذلك القرين السيئ، ويظهره الله له فيراه، فيقول أصحابه:"قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ"، انظروا، انظروا:"فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ" [الصافات: 55، 56] ، صاحب الجنة، قال معترفًا بفضل الله عليه:"قَالَ تَاللَّهِ"؛ أي: واللهِ"تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ" [الصافات: 56، 57] ، شيئًا فشيئًا، كما نقول: شوية شوية، يعني شيئٍا بسيطًا وخطوات قليلة، واتباعًا يسيرًا كنت سترديني معك في النار، وتجرني إليها، لو أني اتبعتك وأطعتك، ولولا قوتي الإيمانية، ولولا ثقتي في الله ولولا .. ، لا .. لا .. لا، الفضل لله، ولولا نعمة