أما عن نزول السورة، فهي إحدى السورة المكية التي نزلت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فكان نزولها في الزمان المكي [5] ... والمخاطب في مكة كان على نوعين؛ مؤمنٌ مصدق وهو قليل، وكافرٌ مكذبٌ تكذيبًا واضحًا صريحًا، وهذا لا تقنعه العبارة، إنما يحتاج إلى توثيقها وتوكيدها، فأعطاه الله حقه في الخطاب، فأقسَم له، مع أن كلام الله حق لا يحتاج إلى قسم:"وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا" [النساء: 122] ؟ لا أحد، ومع أن الحقيقة واضحةٌ في كلام الله لا تحتاج إلى تأكيد، ومع أن الله غنيٌّ عن ذلك الكافر، لكن الله يعطي كل إنسان حقَّه؛ حتى لا يأتي يوم القيامة، ويقول: يا رب، لو أقسمت لنا يمينًا على هذا الكلام لصدقناه، فقد أقسمنا لك، ولذلك تجد في القرآن الكريم قول الله تعالى في أكثر من مرة لا أقسم بكذا، لا أقسم، الأمر والحال لا يحتاج إلى قسم، لكني أقسم لكم حتى أقطع حجتكم ومعاذيركم يوم القيامة، فهذه سورةٌ بُدئت بالقسم، وأقسم الله في أولها بالصافات الزاجرات التاليات للذكر، وهم الملائكة، فإنهم يصطفون عبادةً لله، ويتلون ذكر الله تبارك وتعالى، ويستعملهم الله تعالى في أعمال أخرى، ليست هذه مهمتهم، لكنهم يعبدون الله ويسبِّحونه ويتلون آياته؛ زيادةً على المهمة التي كلفهم بها، فمنهم مَن كُلِّف بزجر السحاب وسوقه إلى بلدٍ ميت، ومنهم مَن مهنته أن يتتبع العباد؛ ليكتب عليهم أعمالهم ويرصدها، ومنهم من كلفه الله بالنفخ في الصور، ومنهم من كلفه الله بتبليغ الوحي، لكل منهم مهمة، لكن فوق هذه المهمة، ومن المحبة التي ملأتهم لله تبارك وتعالى، فهم يسبحون الله ويتلون آياته ويعبدونه، ويصطفون لذلك مع المصطفين من الناس في الأرض، ولذلك قد ورد في الحديث أنهم يحضرون صلاة الفجر وصلاة العصر مع الناس في المساجد، وهذا في قول الله تعالى:"وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا" [الإسراء: 78] ؛ أي: إن صلاة الفجر صلاةٌ مشهودة من الملائكة، يسمعون القرآن الذي يتلى أثناء الصلاة.