ومنها: إن لله عباداً استخصَّهم للتخلق بأخلاقه في سر قوله:"كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر"، فلا يشغلهم شأن اشتغالهم بأبدانهم مع أهلهم عن شأن شهود مولاهم في الجنة، كما أنهم اليوم مستديمون لمعرفته بأي حال من حالاتهم، ولا يقدح اشتغالهم باستيفاء حظوظهم من معارفهم، ويقول: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58] ، يشير إلى أن سلامه تبارك وتعالى كان قولاً منه بلا واسطة وأكَّده بقوله: {مِّن رَّبٍّ} ليعلم أنه ليس سلام على لسان سفيره، قوله:"من رحيم"فالرحمة في تلك الحالة أنه يرزقهم الرؤية في حال ما تسلم عليهم؛ ليكمل لهم النعمة.
وإشارة أخرى أن السلام من الرب الرحيم لو لم يكن صادراً عند تجليه جل جلاله لأهل الجنة لتلاشت من سطوة جلاله الجنة وما فيها، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج على بساط قرب أو أدنى في خلوة"لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل"؛ بتجلي ذاته وصفاته سبحانه وتعالى على وجه لم يتخصص به أحد من العالمين قبله ولا بعده، ما أثبته إلا قوله تعالى:"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، ما سلم من تلك السطوة إلا في حفاوة سلامه كما سلم إبراهيم عليه السلام من البرد حين قال: {يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] ، وبقوله: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يس: 59] يشير إلى امتياز المؤمن بيمينه، وبإيتاء كتاب الكافر بشماله، وبثقل الميزان بالنور وبخفّه بالظلمة، وثبات القدم على الصراط وزلة القدم. . . . وغير ذلك.