ثم يقول سبحانه في وصفهم: {وَهُمْ بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ} [لقمان: 4] لأن الإيمان باليوم الآخر يقتضي أنْ نعمل بمنهج الله في (افعل كذا) و (لا تفعل كذا) ، ونحن على يقين من أننا لن نفلت من الله ولن نهرب من عقابه في الآخرة ، وأننا مُحَاسبون على أعمالنا ، فلم نُخلق عبثاً ، ولن نُتْرك سدى ، كما قال سبحانه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] .
ونلحظ هما في الأسلوب تكرار ضمير الغيبة (هم) فقال: {وَهُمْ بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ} [لقمان: 4] وهذا يدلُّنا على أن الإيمان بالآخرة أمر مؤكد لا شكَّ فيه ، ومع أن الناس يؤمنون بهذا اليوم ، ويؤمنون أنهم محاسبون ، وأن الله لم يكلفهم عبثاً - مع هذا - يؤكد الحق سبحانه على أمر الآخرة ؛ لأنها مسألة بعيدة في نظر الناس ، وربما غفلوا عنها لبُعْدها عنهم ، ولم لا وهم يغفلون حتى عن الموت الذي يرونه أمامهم كل يوم ، ولكن عادة الإنسان أن يستعبده في حق نفسه .
لذلك يقول الحسن البصري: ما رأيت يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت .
أما الكفار فينكرون هذا اليوم ، ولا يؤمنون به ؛ لذلك أكد الله عليه .
ولما"سأل النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة رضي الله عنه:"كيف أصبحت يا حذيفة؟"قال: أصبحت مؤمنا حقاً ، فقال:"لكلِّ حقٍّ حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفتْ نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يُنعَّمون ، وإلى أهل النار في النار يُعذَّبون"فقال صلى الله عليه وسلم:"عرفتَ فالزم"."
وقوله {يُوقِنُونَ} [لقمان: 4] من اليقين ، وهو الإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع ، ولا يطرأ عليه شكٌّ فيطفو إلى العقل ليناقش من جديد وسبق أنْ قُلْنا: إن المعلومة تتدرج على ثلاث مراحل: علم اليقين ، وعين اليقين ، وحق اليقين .