وقد فرض الله الزكاة للفقراء ؛ لأن الله سبحانه حين يستدعي عبد إلى كونه لا بُدَّ أنْ يضمن له مُقومات الحياة ، ولم لا وأنت إذا دعوْتَ شخصاً إلى بيتك لا بُدَّ أنْ تكرمه ، وأنْ تُعِد له على الأقل ضروريات ما يلزمه فضلاً عن الإكرام والحفاوة ورفاهية المأكل والمشرب .. الخ .
فالله سبحانه استدعى عباده إلى الوجود مؤمنهم وكافرهم ، وعليه سبحانه أنْ يوفر لهم القوت ، بل كل مقومات حياتهم ، كذلك يضمن للعاجز غير القادر قوته ، لذلك يفرض الزكاة حقاً معلوماً للسائل والمحروم ، فهي صِلاتٌ والأولى صلاة .
ولهذه المسألة قصة في الأدب العربي ، فيُرْوى أن ابن مدبر وكنيته أبو الحسن ، كان الشعراء يقصدونه للنيل من عطاياه ، يقولون: إن الُّها تفتح اللَّها ، أي: أن العطايا تفتح الأفواه بالمدح والثناء .
لكن ، كان ابن المدبر إذا مدحه شاعر بشعر لم يعجبه يأمر رجاله أنْ يأخذوه إلى المسجد ولا يتركوه حتى يصلي لله مائة ركعة ، وبذلك خافه الشعراء وتحاشوْا الذهاب إليه إلا أبو عبدالله الحسين بن عبدالسلام البشري ، ذهب إليه وقال: عندي شعر أحب أنْ أنشده لك .
فقال: أتدري ما الشرط؟ قال: نعم ، قال: قُلْ ما عندك ، فقال:
أَرَدْنَ فِي أَبي حَسَنٍ مَدِيحاً ... كَمَا بالمْدحِ تُنْتَجَعُ الوُلاَة
يعني: يذهب الشعراء إليهم لينالوا من خيراتهم .
فَقْلْنا أكْرَمُ الثَّقلَيْنِ طُرّاً ... ومِنْ كفَّيْهِ دجلَةُ والفُراتُ
وقالوا يَقبل المدحاةَ لكنْ ... جَوَائِزُهُ عليهِنَّ الصَّلاَةُ
فقُلْتُ لهم ومَا تُغَني صَلاَتِي ... عِيَالي إنما الشْأنُ الزَّكَاةُ
فَيأمُر لي بِكسْر الصّادِ منها ... فَتُصبح ليِ الصِّلات هِي الصَّلاةُ
فلما تجرَّأ عليه أحدهم وسأله: لماذا تعاقب مَنْ لم يعجبك شعره بصلاة مائة ركعة؟ فقال: لأنه إما مسيء وإما محسن ، فإنْ كان مسيئاً فهي كفارة لإساءته في شعره ، وإنْ كان محسناً فهي كفارة لكذبه فيَّ .