فهذه قضية حكم الله بها ، وهي ممتدة وباقية ما بقيتْ الدنيا ، كما سبق أنْ قُلْنا ذلك في قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ ...} [فصلت: 53] . فالآية تستوعب المستقبل كله ، مستقبل مَنْ عاصر نزول القرآن ، ومستقبل مَنْ يأتي بعد إلى قيام الساعة ، بل مستقبل مَنْ تقوم الساعة عليه .
فالقرآن لم ينزله الله ليُفرغ كل أسراره وكل معجزاته في قَرْن واحد ، ولا في أمة واحدة ، ثم يستقبل القرون والأمم الأخرى دون عطاء ، الله يريد للقرآن أنْ يظل جديداً تأخذ منه كل الأمم وكل العصور ، وتقف على أسراره ومعجزاته وآياته في الكون .
ومعنى {الكتاب الحكيم} [لقمان: 2] الكتاب لا يُوصَف بالحكمة إنما يُوصَف بالحكمة مَنْ يعلم ، فالمعنى: الكتاب الحكيم أي: الموصوف بالحكمة ، أو الحكيم قائله ، أو الحكيم مُنزِله . ومعنى حكيم: هو الذي يضع الشيء في موضعه ، ولا يضعَ الشيء في موضعه إلا الله ؛ لأنه هو الذي يعلم صِدْق الشيء في موضعه .
أما نحن فنهتدى إلى موضع الشيء ، ثم يتبين لنا خطؤه في موضعه ، ونضطر إلى تغييره أو تعديله ككثير من المخترعات التي ظننا أنها تخدم البشرية قد رأينا مضارها ، واكتويْنا بنارها فيما بعد .
فكل آية ذكرت ناحية من نواحي كمال القرآن وجهة من جهات عظمته ، إذن: فهي لقطات مختلفة لشيء واحد متعدد الملكات في الكمال ، وكذلك تجد تعدد الكمالات في الآية بعدها: {هُدًى وَرَحْمَةً ...} .
هنا يقول سبحانه {هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ} [لقمان: 3] أما في صدر سورة البقرة فيقول {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] وفَرْق بين المعنيين ، فالتقوى تقتضي الإيمان ، ومطلوب الإيمان الافتراض يعني: أنْ تؤدي ما فرضه الله عليك .