ببطلان ما ارتكبوا كانوا مصرين عليه فرحين به، وأما العالم ببطلانه فيرجى ردع علمه إذا لم
يكن ممن أضله اللَّه عَلَى علمه وختم عَلَى قلبه.
قوله: (فمن يقدر عَلَى هدايته) أي الْمُرَاد إنكار القادر عَلَى هدايته لا إنكار هدايته مع
القدرة عليها. وقد مَرَّ نظيره مرارًا؛ إذ مجرد الدلالة واقع من غيره كالرسل فالمنفي هُوَ الهداية
بمعنى الإيصال فلا يقدر عليها إلا الله تَعَالَى.
قوله: (يخلصونهم من الضلالة ويحفظونهم عن آفاتها) فالْجُمْلَة تذييلية مقررة لمَنْطُوق
ما قبله. قوله ويحفظونهم [عن] آفاتها والواو بمعنى أو أي أو يحفظون [عن] آفاتها فالْجُمْلَة [حِينَئِذٍ]
للاحتراس دفعًا لتوهم أن لهم حافظين [عن] آفاتها وإن حمل الواو عَلَى ظاهرها فالْجُمْلَة
تذييلية وتكميلية، لكنه غير مشهور والجمع لانقسام الآحاد إلَى الآحاد فلا مفهوم بأنه يوهم
أن لهم ناصرًا واحدًا أو اثنين، وَأَيْضًا إن الْكَلَام لاسْتغْرَاق النفي لا لنفي الاسْتغْرَاق.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (30)
قوله: (فقومه له غير ملتفت) أي اجعله مستقيمًا بالاستقامة المعنوية. فسر الإفعال
بالتفعيل لظهوره في الْمَعْنَى الْمَذْكُور. قوله غير ملتفت اسم فاعل عَلَى أنه حال من فاعل أقم
أو من الْمَفْعُول فهي حال مؤكدة إن جوزت وقوعها بعد الْجُمْلَة الفعلية، أو حال دائمة إن
شرط كونها بعد الْجُمْلَة الاسمية.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: يخلصونهم من الضلالة. قال صاحب الكَشَّاف: وقوله: (وما لهم من ناصرين)
دليل عَلَى أن الْمُرَاد بالإضلال الخذلان. لما فسر الإضلال بالخذلان ومنع
الألطاف بناء عَلَى مذهبه أن الإضلال الحقيقي لا يصح أن يسند إلَى الله تَعَالَى جعل نفي الناصر
دليلا عليه دلالة اللازم عَلَى الملزوم فكأنه قيل: من ينصر من خذله الله ومنع الألطاف عنه
والحال أنه لا ناصر له. قال الطيبي رحمه الله: ليس الْكَلَام في النصرة والخذلان بل في الهداية
والضلال (وما لهم من ناصرين) كالتتميم لمعنى إراءة الإضلال والمنع من
الهداية وذلك أنه سبحانه لما عدد الآيات الْبَيّنَات والشواهد الدَّالَّة عَلَى الوحدانية أراد أن يسلي
حبيبه عَلَى اليأس من إيمانهم فأَضربَ عن ذلك وقال: (بل اتبع الَّذينَ ظلموا أهواءهم)
الآية. وجعل السبب في ذلك أنه تَعَالَى ما أراد هدايتهم وأنهم مختوم عَلَى قُلُوبهمْ
ولذلك رتب عليه قوله: (فمن يَهْدي من أضل الله) عَلَى سبيل التقريع والإنكار ثم
ذيل الْكَلَام كله بقوله: (وما لهم من ناصرين) يعني إذا أراد الله تَعَالَى منهم ذلك لا
مُخلِّص لهم منه ولا أحد ينقذهم لا أنت ولا غيرك (فلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) .
فاهتم بنفسك خاصة ومن اتبعك و (أقم وجهك للدين حَنِيفًا) .
قوله: فقومه له غير ملتفت أو ملتفت عنه. الأول عَلَى صيغة الْمَفْعُول وعنه صلة الالْتفَات
على التقديرين فالأول عَلَى احتمال أن يكون حنيفًا حالًا من المأمور، والثاني عَلَى احتمال أن يكون
حالًا من الدين.