{قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء} استكشاف عن الحكمة الخفية وعما يزيل الشبهة وليس استفهاماً عن نفس الجعل والاستخلاف لأنهم قد علموه قبل ، فالمسؤول عنه هو الجعل ولكن لا باعتبار ذاته بل باعتبار حكمته ومزيل شبهته ، أو تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها ، أو يستخلف مكان أهل الفساد مثلهم أو مكان أهل الطاعة أهل المعصية ، وقيل استفهام محض حذف فيه المعادل أي: أتجعل فيها من يفسد أم تجعل من لا يفسد وجعله بعضهم من الجملة الحالية أي: أتجعل فيها كذا ونحن نسبح بحمدك أم نتغير واختار ذلك شيخنا علاء الدين الموصلي روح الله تعالى روحه ، والأدب يسكتني عنه ، وعلى كل تقدير ليست الهمزة للإنكار كما زعمته الحشوية مستدلين بالآية على عدم عصمة الملائكة لاعتراضهم على الله تعالى وطعنهم فِي بني آدم ، ومن العجيب أن مولانا الشعراني وهو من أكابر أهل السنة بل من مشايخ أهل الله تعالى نقل عن شيخه الخواص أنه خص العصمة بملائكة السماء معللاً له بأنهم عقول مجردة بلا منازع ولا شهوة ، وقال: إن الملائكة الأرضية غير معصومين ولذلك وقع إبليس فيما وقع إذ كان من ملائكة الأرض الساكنين بجبل الياقوت بالمشرق عند خط الاستواء فعليه لا يبعد الاعتراض ممن كان فِي الأرض والعياذ بالله تعالى ، ويستأنس له بما ورد فِي بعض الأخبار أن القائلين كانوا عشرة آلاف نزلت عليهم نار فأحرقتهم ، وعندي أن ذلك غير صحيح ، وقيل: إن القائل إبليس وقد كان إذ ذاك معدوداً فِي عداد الملائكة ويكون نسبة القول إليهم على حد بنو فلان قتلوا فلاناً والقاتل واحد منهم ، والوجه ما قررنا وتكرار الظرف للدلالة على الإفراط فِي الفساد ولم يكرره بعد للاكتفاء مع ما فِي التكرار مما لا يخفى.