قَالَ ابن إسْحَاق: وَزَعَمَ النّاسُ فِيمَا يَتَحَدّثُونَ - وَالله أَعْلَمُ - أَنّ أُمّهُ السّعْدِيّةَ لمّا قَدِمَتْ بِهِ مَكّةَ أَضَلَّهَا فِي النّاسِ وَهِيَ مُقْبِلَةٌ بِهِ نَحْوَ أَهْلِهِ، فَالْتَمَسَتْهُ فَلَمْ تَجِدْهُ فَأَتَتْ عَبْدَ الْمُطّلِبِ، فَقَالَتْ لَهُ: إنّي قَدْ قَدِمْت بِمُحَمّدِ هَذِهِ اللّيْلَةَ فَلَمّا كُنْت بِأَعْلَى مَكّةَ أَضَلّنِي، فَوَالله مَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ؟ فَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ يَدْعُو الله أَنْ يَرُدّهُ، فَيَزْعُمُونَ أَنّهُ وَجَدَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَتَيَا بِهِ عَبْدَ الْمُطّلِبِ، فَقَالَا لَهُ: هَذَا ابْنُك؟ وَجَدْنَاهُ بِأَعْلَى مَكّةَ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ، فَجَعَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ يَعُوذُهُ وَيَدْعُو لَهُ ثُمّ أَرْسَلَ بِهِ إلَى أُمّهِ آمِنَةَ.
وروى البيهقي عن عبد الله بن عباس عن حليمة بنت أبي ذؤيب أنها قالت: فخفت أن يبلغ الخبر عبد المطلب قبلي، فقصدت قصده، فلما نظر إليَّ قال: أسعد نزل بك أم نحوس؟ قالت: قلت: بل نحس الأكبر، ففهمها مني، وقال: لعل ابنك قد ضل منك؟ قالت: قلت: نعم، بعض قريش اغتاله فقتله، فسل عبد المطلب سيفه وغضب، وكان إذا غضب لم يثبت له أحد من شدة غضبه، فنادى بأعلى صوته: يا يسيل؛ وكانت دعوتهم في الجاهلية. قال: فأجابته قريش بأجمعها، فقالت: ما قصتك يا أبا الحارث؟ فقال: فُقد ابني محمد، فقالت قريش: اركب نركب معك، فإن سبقت خيلًا سبقنا معك، وإن خضت بحرًا خضنا معك. قال: فركب وركبت معه قريش، فأخذ على أعلى مكة، وانحدر على أسفلها، فلما أن لم يرَ شيئًا ترك الناس،
واتشح بثوب، وارتدى بآخر، وأقبل إلى البيت الحرام فطاف أسبوعًا، ثم أنشأ يقول:
يا رب إن محمدًا لم يوجد ... فجميع قومي كلهم متردد