بين ما أجمل بقوله مذكراً لهم بنعمة الله ليشكروها: {في جنات} أي بساتين تستر الداخل فيها وتخفيه لكثرة أشجارها {وعيون} تسقيها مع ما لها من البهجة وغير ذلك من المنافع {وزروع} وأشار إلى عظم النخيل ولا سيما ما كان عندهم بتخصيصها بالذكر بعد دخولها في الجنات بقوله: {ونخل طلعها} أي ما يطلع منها من الثمر ؛ قال الزمخشري: كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو ، والقنو اسم للخارج من الجذع كما هو بعرجونه وشماريخه.
{هضيم} أي جواد كريم من قولهم: يد هضوم - إذا كانت تجود بما لديها ، وتفسيره بذلك يجمع أقوال العلماء ، وإليه يرجع ما قال أبو عبد الله القزاز معناه أنه قد هضم - أي ضغط - بعضه بعضاً لتراكمه ، فإنه لا يكون كذلك إلا وهو كثير متقارب النضد ، لا فرج بينه ، ولطيف لين هش طيب الرائحة ، من الهضم بالتحريك ، وهو خمس البطن ولطف الكشح ؛ والهاضم وهو ما فيه رخاوة ، والهضم: البخور ، والمهضومة: طيب يخلط بالمسك واللبان ؛ قال الرازي في اللوامع: أو يانع نضيج لين رخو ومتهشم متفتت إذا مس ، أو يهضم الطعام ، وكل هذا يرجع إلى لطافته.
ولما ذكر اللطيف من أحوالهم ، أتبعه الكثيف من أفعالهم ، فقال عطفاً على {أتتركون} أو مبيناً لحال الفاعل في {آمنين} : {وتنحتون} أي والحال أنكم تنحتون إظهاراً للقدرة {من الجبال بيوتاً فارهين} أي مظهرين النشاط والقوة ، تعظيماً بذلك وبطراً ، لا لحاجتكم إلى شيء من ذلك {فاتقوا} أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم: اتقوا {الله} الذي له جميع العظمة بأن تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية باتباع أوامره ؛ واجتناب زواجره {وأطيعون} أي في كل ما آمركم به وأنهاكم عنه.
فإني لا آمركم إلا بما يصلحكم فيكون سبباً لحفظ ما أنتم فيه وتزدادون {ولا تطيعوا} .