المحرَّماتِ.
وإن كانَ القلبُ فاسِدًا ، قدِ استولى عليه اتِّباعُ هواه ، وطلبُ ما يحبُه ، ولو
كرهَهُ اللَّهُ ، فسدتْ حركاتُ الجوارح كلِّها ، وانبعثتْ إلى كل المعاصِي
والمشتبهاتِ بحسبِ اتِّباع هوى القلبِ.
ولهذا يقالُ: القلبُ ملكُ الأعضاء ، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه ، وهم مع هذا
جنودٌ طائعونَ لهُ ، منبعثونَ في طاعتِهِ ، وتنفيذِ أوامر ، لا يخالفونَهُ في شيءٍ
من ذلكَ ، فإنْ كانَ الملكُ صالحًا كانتْ هذه الجنودُ صالحةً ، وإن كان فاسدًا
كانت جنوده بهذه المثابةِ فاسدةً ، ولا ينفع عندَ اللَّهِ إلا القلبُ السليمُ ، كما
قالَ تعالَى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) .
وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ في دعائِهِ:
"أسألكَ قلبًا سليمًا".
فالقلبُ السليمُ: هو السالمُ من الآفاتِ والمكروهاتِ كلِّها ، وهوَ القلبُ
الذي ليسَ فيه سوى محبةِ اللَّهِ وما يحبُّهُ اللَّهُ وخشية اللَّهِ ، وخشية ما يُباعدُ
منه.
وفي"مسندِ الإمامِ أحمدَ"عن أنس عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ:"لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه".
والمرادُ باستقامةِ إيمانِه: استقامةُ أعمالِ جوارِحِه ، فإنَّ أعمالَ الجوارح لا
تستقيمُ إلا باستقامةِ القلبِ ، ومعنى استقامةِ القلبِ: أن يكونَ ممتلئًا مِنْ محبَّةِ
اللَّهِ ، ومحبَّةِ طاعتهِ ، وكراهةِ معصيتهِ.
قال الحسنُ لرجلٍ: داوِ قلبكَ"فإنَّ حاجةَ اللَّهِ إلى العبادِ صلاحُ قلوبِهم."
يعني: أنَّ مرادَهُ منهُم ومطلوبَهُ صلاحُ قلوبِهِم ، فلا صلاحَ للقلوبِ حتَّى
تستقرَّ فيها معرفةُ اللَّهِ وعظمتُه ومحبّتهُ وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤه والتوكلُ
عليه ، وتمتلئ مِنْ ذلك ، وهذا هو حقيقةُ التوحيدِ ، وهو معنى