ومن قرأ {وإن} بالكسر فعلى الاستئناف، ومن قرأ بالفتح مخففاً ومشدداً فعلى حذف لام التعليل والمعلل {فاتقون} ثم من قال: الخطاب لجميع الرسل فالمشار إليه بهذه هو أصول الأديان والشرائع التي لا خلاف فيها بين الرسل وجملتها تقوى الله كما ختم به الآية. والضمير في {تقطعوا} راجع إلى أممهم. قال الكلبي ومقاتل والضحاك: يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى. ومن قال: الخطاب لعيسى فهذه إشارة إلى ملته في وقتها. وعلى القول الأظهر بل على جميع الأقوال المشار إليه ملة الإسلام كما مر مثله في آخر سورة الأنبياء، كأنه أمر هناك بالعبادة التي هي أعم ثم أمر بالتقوى التي هي أخص ولهذا قال {فتقطعوا} بالفاء ليتوجه الذم أتم فإن المأتي به كلما كان أبعد من المأمور به كان سبب الذم اقوى، فلا يكون ترتيب التقطع على التقوى كترتبه على العبادة ولهذا أكد التقطع بقوله {زبراً} بضم الباء جمع زبور أي حال كونه كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً ومذاهب شتى. ومنقرأ بفتح الباء فمعناه قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد. ثم أكد الذم بقوله {كل حزب بما} أي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى أنه المحق الرابح وغيره المبطل الخاسر. ثم بالغ في الذم والتهديد بقوله {فذرهم في غمرتهم} وهذا الأمر مما يدل على أن المخاطب بقوله {يا أيها الرسل} هو نبينا صلى الله عليه وسلم وقد يطلق لفظ الجاعة على الواحد تعظيماً وتفخيماً كقوله {إنّ إبراهيم كان أمة} [النحل: 120] والغمرة الماء الذي يغمر القامة. قال جار الله: ضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم وغايتهم، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل. قلت: وأنت إذا تأملت فيما أسلفنا لك في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب عرفت الفرق بين الوجهين. قال في الكشاف {إلى حين} أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا. والتحقيق أنه الحالة التي يظهر عندها