وهذا الذي ذكرنا هو معنى ما ذكره أبو علي في كتاب"الإيضاح". فإنه ذكر فيه باب الأسماء التي سميت بها الأفعال فذكر فيه (رويد) بمعنى: أروِد أي: أمهل، و (إيه) بمعنى: حدث، وصَه ومَهْ بمعنى: أُسكت. وقال: أكثر ما تستعمل هذه الأسماء في الأمر والنهي، وقد جاء شيء من ذلك في الخبر، وذلك قولهم: شتان زيد وعمرو، فهذا بمنزلة: بعد زيد وعمرو، وقالوا: سرعان ذا إهالة، بمعنى: سَرُع، وقالوا: هيهات زيد،
يريدون: بعد. هذا كلامه.
وقد ثبت أن هيهات اسم سمي به الفعل وهو بعد في الخبر لا في الأمر كما عليه أكثر بابه، وتفسير هيهات: بَعُدَ، وليس له اشتقاق؛ لأنه بمنزلة الأصوات، وفيه زيادة معنى ليس في بَعُدَ، وهي أن المكلم بهيهات يخبر عن اعتقاده استبعاد ذلك الشيء الذي يخبر عن بُعْدِه، وكأنه بمنزلة أن تقول: بعد جدًّا وما أبعده، لا على أن يعلم المخاطب مكان ذلك الشيء في البعد فـ [حسب، كما لو قال: بعد زيد، يفهم من هذا أنه يخبر عن مكانه في البعد] . ففي هيهات زيادة معنى على بعد وإن كنا نفسره ببعد.
قال الفراء - في قوله: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} : لو لم تكن اللام في (ما) كان صوابًا. ودخول اللام عربي، ومثله في الكلام: هيهات لك، وهيهات أنت منا، وهيهات لأرضك. وأنشد:
فَهَيْهات هيهات العقيقُ وأهلُه ... وهيهات خِلُّ بالعقيق نُوَاصِلُه
فمن لم يدخل اللام رفع الاسم. ومعنى هيهات: بعيد كأنه قال: بعيد العقيق وأهله، ومن أدخل اللام قال (هيهات) أداة ليست بمأخوذة من فعل فأدخلت لها اللام كما يقال: هَلُمَّ لك، إذْ لم تكن مأخوذة من فعل.
وقال أبو إسحاق: {هَيْهَاتَ} موضعها الرفع، وتأويلها: البعد لما توعدون.
قال: ويقال: هيهات ما قلت، وهيهات لما قلت، فمن قال: هيهات لما قلت فمعناه البعد لقولك، ومن نون هيهات جلها نكرة، ويكون المعنى: بُعدًا لما توعدون.