وقوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} المدّ يأتي في بمعنى الزيادة، ومنه قوله تعالى: { ... وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ... } أو الإمهال والإملاء. والطغيان هنا، مجاوزة الحد في الضلال، والعَمَه: عمى القلب. ومن لوازمه: الحيرة والتردد. والمعنى: ويزيدهم الله في ضلالهم الشديد، أو يمهلهم فيه: يتحيرون ويتخبطون، لا يدرون أين يتوجهون بسبب طغيانهم المستمر.
والمراد أنهم - بسبب كفرهم وعنادهم - سد الله عليهم طرق التوفيق، فازداوا رَينًا
على قلوبهم، وطغيانا في تصرفاتهم.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) }
المفردات:
{اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} : المراد به، استحبوا الكفر على الإيمان.
{فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} : فما نالوا خيرًا من الكفر الذي جعلوه بدلا من الإيمان، فكانوا أشبه بالتجار الذين جهلوا أساليب التجارة، فجروا على أنفسهم الخسارة.
{وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} : إلى ما يوصلهم إلى الربح، لجهلهم.
التفسير
16 - {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ... } الآية.
اسم الإشارة يعود على المنافقين، مع ملاحظة صفاتهم المتقدمة.
والأصل في الاشتراء: أن يكون في المبادلات الحسية، كاشتراء السلعة بثمنها، ثم استعملته العرب في المعاني، كاشتراء الضلالة بالهدى.
والمراد: انهم استحبوا الكفر على الإيمان فليس الاستبدال حقيقة حتى يكون معاوضة، لأنهم لم يسبق لهم الإيمان حتى يبذلوه في مقابلة الكفر.
والتعبير بلفظ {اشْتَرَوا} يؤْذن بأنهم قادرون على الإيمان بالفطرة، لو نظروا واعتبروا.